الخيانة .. "وجهة نظر" !!
بقلم : محمد السيسى
بقلم : محمد السيسى
إلي أين نحن ذاهبون؟
سؤال قد يبدو معادا .. نسمعه ونطرحه مع كل موقف نمّر به .. نسأله احتجاجا أو تعليقا على اختلال المعايير وانتشار الفساد بكافة مظاهره.
إلى أين نحن ذاهبون؟
منذ زمن نلمس اختفاء حالة الود التي كانت تميزنا عن غيرنا من الشعوب، نتشاجر لأتفه الأسباب، نغضب لأشياء لم تكن تغضبنا من قبل .. انظر إلي وجوه الناس في الشارع تجدها متجهمة، متحفزة، قلقة .. العيون زائغة .. حالة أشبه بالتوهان .. شباب يمشون مشي الكهول .. منكسى الرءوس .. منهم من يكلم نفسه .. ومنهم من يصطدم بمن يقابله .. تشعر وكأنهم مخدرون.
تفاصيل نعيشها جميعا .. تزعج البعض، والبعض الآخر يتعامل معها باعتبارها أمرا واقعا وطبيعيا نتيجة الإحباط الذي أصبح في حياتنا كالماء والهواء !! لكن الأمور تزداد تعقيدا لتتجاوز الإحباط وتتحول شيئا فشيئا إلي فتور فى العلاقة بين المواطن والوطن .. أو بالأحرى غياب الانتماء، خاصة مع تفاقم الأوضاع وغياب الأمل في التغيير.
ولا ندري حقا إلي أين نحن ذاهبون بعد أن أصبح غياب الانتماء مرضا خطيرا يداهمنا جميعا بل وتمكن من كثيرين!!
لقد اتضحت الصورة أكثر وبدت أعراض غياب الانتماء واضحة مع الحلقة الأخيرة من برنامج " الحقيقة " الذي يقدمه الزميل الصحفي وائل الإبراشى التي ناقش خلالها كارثة وجود 22 ألف مصري أعتقد أن الرقم أكبر بكثير داخل الكيان الصهيوني، منهم من تزوج من يهوديات" إسرائيليات "وحمل الجنسية الإسرائيلية وتنازل عن الجنسية المصرية!!!.
تابعت باهتمام بالغ كلمات بعض هؤلاء خاصة أنني لم أستمع لأحدهم من قبل، بل ولم أتوقع علي الإطلاق أن أستمع لصوت واحد منهم مدافعا عن جريمته معتبرا ما فعله أمرا طبيعيا، فقط كنت أتابع بحسرة شديدة أخبارهم علي صفحات الجرائد وبين الإحصائيات الرسمية المعلنة.
حقيقة .. صدمتني إلي حد كبير كلماتهم المتعالية المتعجرفة التي وصلت في أحيان كثيرة إلي البجاحة وقلة الأدب .. يروون تفاصيل الخيانة، وكأنهم يروون قصص كفاح!!
لقد أصبح للمصريين رابطة هناك أطلقوا عليها " رابطة المصريين في إسرائيل" يقول رئيسها شكري الشاذلي غير نادم إنه لم يشاهد مصر منذ 8 سنوات وأن لديه أربع بنات من زوجته التي تنتمي إلي عرب48، ويشير إلي أن هناك ما يقرب من 22 ألف مصري يقيمون في إسرائيل منهم 5700 متزوجون ولديهم إقامة وكثيرون يحملون الجنسية الإسرائيلية !!.
ويضيف الشاذلي : ( العرب للأسف لا يفهمون طبيعة المجتمع" الإسرائيلي ".. فأنا أعيش علي أرض " إسرائيل" ولا أشعر بأي غربة : فهى أرض عربية ترجع لأجدادنا .. .... ويستكمل : لقد آن الأوان لتغيير الصورة الجاهلة المترسخة لدي البعض فأنا وعلي مدي إقامتي لا أشعر بأي غربة وأشعر بأنني أعيش في بلد عربي، وهناك قري عربية بأكملها تعيش داخل" إسرائيل " ولا تجد أية مشكلة )!!!.
ويرد علي اتهامات الحضور بالخيانة قائلا بكل صلف : ( أي خيانة؟! .. فكل المقيمين في " إسرائيل " هم أبناء الوطن العربي ويسعون بكل جدية لتغيير نظرة العرب لــ"إسرائيل" وتغيير صورة العربي لدي " إسرائيل" )!!.
علي هذا النهج سار كل المتحدثين عبر الهاتف من داخل" إسرائيل " خاصة (محمد المصري ) الذي تحدث بحمية شديدة وقلة أدب متناهية.
بالطبع لن أناقش ما قاله هؤلاء ولن أتحدث عن المجازر اليومية التي يتعرض لها الشعب العربي في فلسطين، ولن أتحدث عن طبيعة الكيان الصهيوني الاستيطاني التوسعي الذي يطمع في تكوين دولته من النيل للفرات، ولن أذكٌر بضحايا الصراع المستمر منذ أكثر من 55 عاما أو جدوى الاتفاقيات بين مصر وإسرائيل التي يعترف قادة الكيان الصهيوني أنها مجرد هدنة قصيرة مهما طالت، كما أنني لن أبحث لهؤلاء الخونة عن مبرر: فالخيانة لا يمكن مناقشتها أو تبريرها .. فالمرأة التي تبيع شرفها تجد لنفسها المبررات ، وخائن الوطن يبرر لنفسه الخيانة .. والصراع العربي الصهيوني مليء بقصص العرب الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ووجدوا لأنفسهم عشرات المبررات .. لكني ذكرت بعض ما جاء علي لسان رئيس الرابطة، فقط لأوضح حجم الكارثة التي نعيشها.
لقد كان مجرد التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة يعاقب عليها الضمير العربي، أما الآن فالتنازل عن الجنسية المصرية و التجنس بجنسية العدو الإسرائيلي بات وجهة نظر وأمرا له مبرره عند الآلاف.
لقد ذكر تقرير صادر من المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن عدد العرب العاملين بالجيش " الإسرائيلي" زاد بنسبة 20٪ علي العام الماضي، وهؤلاء يحملون جنسيات دول عربية ويعملون سائقين وناقلي بضائع، أما عدد العمال المصريين فيمثل 13٪ من نسبة العمالة المدنية بالجيش " الإسرائيلي " وهو رقم مخيف، يليهم الأردنيون!!.
ألا يستحق الأمر أن نتوقف قليلا لنسأل: من قتل الانتماء داخل آلاف المصريين؟!
وإلي أين نحن ذاهبون؟!
مقاومة التطبيع بالسفر إلي " إسرائيل"
لم يمر أسبوع علي برنامج " الحقيقة " حتي نشرت الزميلة " البديل" حوارا مع نادية كامل مخرجة الفيلم التسجيلي " سلطة بلدي " الذي تم تصويره علي مدي خمس سنوات بين القاهرة وإيطاليا والأرجنتين و " إسرائيل " وتسجل خلاله لقاءاتها بأفراد عائلتها الموزعة بين الدول الثلاث و" إسرائيل ".
المثير في الأمر ليس فقط سفر المخرجة ووالديها الكاتبين " نائلة كامل " و " سعد كامل " إلي " إسرائيل" لكن في تبريراتها الواهية و" المضحكة " أحيانا.
فقد وصفت سفرها إلي الكيان الصهيوني بأنه محاولة للوقوف ضد ظلم وجدته داخل بيتها فأمها الكاتبة " نائلة كامل " حرمت من زيارة عائلتها التي هاجرت لــ"إسرائيل" منذ الأربعينيات.
وتمضي المخرجة في سرد تفاصيل مأساتها المروعة !!: ( وهناك سبب آخر دفعني لهذه الرحلة الشائكة ألا وهو أنني اعتدت دوما التفاخر بالتنوع في جذوري وجدي لأمي يهودي الديانة ولكن مع مرور الوقت صرت أجد صعوبة في رواية تلك القصة إلي المحيطين بي ولم يعد بإمكاني الفخر بتنوع جذوري وبدا أنني اعتذر عن تلك الجذور عوضا عن الفخر بها).
المضحك أن المخرجة المصرية تقول إنها سافرت إلي " إسرائيل " لمقاومة التطبيع!! بل وعرٌفت التطبيع قائلة : ( التطبيع وفقا لمفهومي هو " الاستندال" أو اتخاذ موقف المتفرج من ظلم أراه واقعا علي شخص آخر لمجرد أن لي مصالح معينة قد يضرها الوقوف إلي جانبه ).
وتستمر المخرجة في سك العبارات الرنانة في الدفاع عن فيلمها من عينة ( الفيلم وسيلة لإثبات أنه لا يوجد تعارض بين مبادئ الفرد وإنسانيته ) و ( كسر التصور الذاهب إلي أن الإنسان صاحب المبادئ هو شخص متجرد من إنسانيته ).
نأتي للفيلم الذي اعتبرته المخرجة صرخة في وجه الاحتلال فلم يتطرق إلا علي استحياء إلي الصراع العربي الصهيوني ومعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، فالوجوه الفلسطينية التي ظهرت في الفيلم قليلة جدا بالمقارنة بالعائلة " الإسرائيلية " التي ينتمي إليها ابن العم عضو إحدى العصابات الصهيونية التي عاشت في القاهرة وفق اعترافاته.
والمعاناة الفلسطينية التي تتحدث المخرجة عن اظهارها لا تتجاوز دقيقة من زمن الفيلم مقابل ما يزيد علي ٥٣ دقيقة قضتها مع العائلة الإسرائيلية.
الفيلم أيضا يظهر تفتيش الفلسطينيين علي المعابر الصهيونية كقدر وأمر واقع من الطبيعي أن يكون موجودا وينفي التصرفات غير الإنسانية للشرطة " الإسرائيلية " علي المعابر حيث يظهر الجندي الصهيوني الوديع أمام الحاجز يناشد المخرجة عدم استخدام الكاميرا!!
أما السيدتان الفلسطينيتان في الفيلم فتدعوان إلي تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني و إيقاف المقاطعة لأن هذا سيضمن الدفاع عن القضية الفلسطينية و إيقاف العزلة المفروضة علي الفلسطينيين علي حد قولهما .. وتطالب إحداهما بمنح الجنسية المصرية للفلسطينيين مساواة بغيرهم.
بقي أن نقول إن المخرجة كانت موفقة إلي حد كبير في اختيار اسم الفيلم ( سلطة)..
الملك فاروق
هل حقا تعاطف المصريون مع الملك فاروق؟!!
أشخاص مرموقون ..أعرفهم جيدا، وأعرف أصولهم .. وأعلم تماما أنه لولا ثورة يوليو لكانوا الآن باعة جائلين يسرحون بمناديل و " فلايات " في الأتوبيسات وعلي المقاهي، انفعلوا بمسلسل الملك فاروق وتعاطفوا معه بل وترحموا علي ذلك العصر، وصبوا جام غضبهم علي الحقبة الناصرية التي شوهت عصر الملكية.
لكن هل هو تعاطف حقيقي أم وجه من وجوه الإحباط الذي نعانيه؟! وهنا أود أن أشير فقط لأمرين خاصة أن القضية قتلت بحثا وكانت مثار حديث العامة والخاصة أثناء وبعد عرض المسلسل أولهما : أن ما حدث في رأيي ليس تعاطفا مع ملك ضعيف ــ دمية في يد الاحتلال وفاسد و قمارتى.. يطارد النساء في الكباريهات ــ بل هو في واقع الأمر تعاطف ضد النظام الحالي.
الأمر الآخر أن الهجوم علي الملك فاروق لم يبدأ كما يعتقد البعض مع قيام ثورة يوليو (المتهمة زورا بتشويه عصر الملكية) : فالشعب المصري عاش الجهل والفقر والمرض وعاني تحكم طبقة النصف في المائة بل وهتف المصريون قبل قيام الثورة بسنوات وسنوات مطالبين بسقوط الملك فؤاد ومن بعده فاروق بنفس الحماسة التي هتفوا بها مطالبين بجلاء الاحتلال الإنجليزى عن مصر .. بل إن حزب الوفد لم يكتسب شعبيته الجارفة في هذا الزمن إلا بعدائه للقصر الملكي.
حاكمونا أو حاكموهم
كتبت منذ عدة أسابيع عن تقرير خطير صادر من هيئة المساحة والجيولوجيا يقول إن منطقة باطن المقطم التي يجري عليها بناء الأبراج الخرسانية معرضة للانهيار بشكل مفاجئ حيث توجد بها صدوع وفوالق وتسرب للمياه، مما قد يطيح في سنوات قليلة بقلعة محمد علي والأسوار الشرقية لقلعة صلاح الدين.
وتساءلت : لماذا الإصرار علي مشروع يمثل خطرا بالغا علي آثارنا وتراثنا بل ويهدد حياة الآلاف ؟!
لكن للأسف لم يتحرك أحد رغم خطورة التقرير ولم يخرج مسئول واحد ليرد علي ما نشر، أو ينفي حتي وجود التقرير من الأساس ويكذبنا ويتهمنا بإثارة الرأي العام.
هل ينتظرون حتي نستيقظ في يوم ما علي كارثة؟!
إلي هذه الدرجة هان علينا تراثنا وتاريخنا وماضينا ومستقبلنا؟!!
جريدة " الأسبوع "