لو كان هنا عبد الناصر !
بقلم : محمد السيسى
ساقتنى الأقدار إلى منطقة " الرويعى" المشهورة بتجارة الأخشاب ومستلزماتها باحثاً عن ألواح الخشب " الكونتر".
وحتى لا يتصور التجار أننى " زبون" يسهل الضحك عليه!! حاولت فى البداية أن أظهر نفسى وكأننى عالم ببواطن الأمور ، أنواع الخشب وأسعاره معتمدًا على خبرتى السابقة عندما اشتريت لوح " كونتر إندونيسى" منذ 10 سنوات تقريبا، ومستخدمًا بعض العبارات الشعبية وأنا أخاطب البائع .. من عينة " والنبى يا بركة" و "عايز حاجة على مزاجك" إلى آخر هذه العبارات.
توجهت لأحد التجار كبار السن وسألته بثقة شديدة : "والنبى يا بركة .. لوح الكونتر الإندونيسى 18 مللى بكام؟".
فنظر إلى ضاحكاً : "حضرتك عايزه ليه؟! ".
أجبته : " للمكتبة".
سألنى : " كتب ولا تلفزيون؟! ".
قلت : " للكتب.. أنا عايز لوح إندونيسى على مزاجك وقطعه أرفف .. كل رف 30 سم، ولو توصف لى حد أجيب من عنده الحوامل الحديد يبقى كتر خيرك".
فبادرنى : " كل سنة وأنت طيب!! ".
ولأنه لا عيد مسلمين ولا مسيحيين .. قلت له : "وأنت بالصحة والسلامة .. هو خلص ؟! ".
أجابنى : "من زمان .. من سنين!! دلوقتى لوح الكونتر الصينى هو اللى موجود".
لم يعطنى فرصة للتعقيب وقال: " شكلك عايز حاجة مهاودة يقصد رخيصة الثمن عليك وعلى المناصرة هات من هناك حاجة صينى جاهزة .. ولا تتعب نفسك ولا تدور على حوامل ولا نجارين"!!.
شعرت أنه يتكلم بصدق، فتركته متوجها إلى "المناصرة" فى " باب الخلق" أشهر المناطق المصرية لبيع الأثاث.
وفى طريقى من " الرويعى" إلى " المناصرة " عبر ميدان " العتبة "وشارع "محمد على" تعمدت أن أدقق فى كل ما يقابلنى من سلع سواء فى المحلات والأكشاك أو على الأرصفة .. فوجدتها فى معظمها صينية الصنع، بداية من ماكينات الحلاقة والأمشاط وكريم الشعر مرورًا بالأدوات المنزلية والأدوات المدرسية ـــ الأقلام الجاف والرصاص والأوراق ـــ وحتى لعب الأطفال واللبان والبسكويت والأدوات الكهربائية نهاية بالموبايلات وأكسسواراتها.
أى عقلية تلك التى تدير الاقتصاد الصينى؟! وكيف حوّلت هذا العالم إلى سوق كبير لترويج المنتجات الصينية خاصة الوطن العربى وتحديدًا مصر؟! .. لقد فاقت المنتجات الصينية فى مصر كل الحدود والتصورات ، ولم يعد الأمر كما كان من قبل مقصورا على " فوانيس رمضان"و " السبح"و" الولاعات" و" التحف أوالقطع الأثرية المصرية المقلدة" .. لقد تخطى الأمر كل ذلك وأصبحت السلع الصينية تهدد الصناعات المصرية العريقة التى تميزت بها مصر عبر تاريخها ، الموبيليا والمنسوجات على سبيل المثال.
أى عقلية تلك التى تدير الاقتصاد المصرى الذى حوّلت الجميع إلى باعة سريحة للمنتجات الصينية أو فى أفضل الأحوال مندوبى مبيعات صينى؟.. ثم أين هى الصناعة الوطنية؟
وجدتنى أسأل نفسى دون أن أدرى ، خاصة ونحن فى ذكراه التسعين: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
بعد رحلة " الرويعى"
لم يمر يومان حتى شاهدت برنامج " لقاء الأسبوع" الذى يديره الزميل مصطفى بكرى على قناة " الساعة"..كان ضيف الحلقة "خالد" ابن الزعيم جمال عبد الناصر ووجدت السؤال الذى طرحته على نفسى بعد رحلة " الرويعى ــ المناصرة" مطروحا : ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
وبعيدًا عن تفاصيل الحلقة التى أبكت الكثيرين خاصة عند عرض مشهد الجنازة أكثر من مرة أو مع بكاء بعض البسطاء فى المداخلات على الهواء، أو الدموع التى ترقرقت فى عينى خالد عبد الناصر، استوقفنى السؤال الذى طرحه الزميل مصطفى بكري وتهرّب منه خالد عبد الناصر بأدب وخجل شديدين.
ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
أجاب خالد: أنا أستاذ فى الهندسة ولا أحب أن أتعامل مع الأسئلة الافتراضية!!
ويبدو أن أدب ابن الزعيم وتواضعه الشديد منعاه من أن يقول .. لو كان هنا عبد الناصر لما تطاولت علينا إسرائيل لهذه الدرجة .. التى أصبح معها قتل المصريين على الحدود أمرًا طبيعياً !! ولما احتلت العراق ولما تمزقت الأمة العربية وضاعت القضية الفلسطينية.
لو كان هنا عبد الناصر .. لما عادت من جديد الرأسمالية الفاجرة التى تحتكر كل شىء وتتوحش يوما بعد يوم ! ولما تحولنا إلى شعب يعيش تحت خط الفقر ، شعب يعمل صباح مساء لصالح فئة بسيطة ــ مجتمع النصف فى المائة ــ ولما سمعنا يوما بعد الآخر عن المنتحرين .. هذا غير لائق اجتماعيا وهذا عاجز عن شراء وجبة عشاء وهذا فشل فى توفير حاجات المدارس ، وهذا لم يجد عملا فرمى نفسه تحت عجلات مترو الأنفاق.
حقيقة وجدتنى أستدعى المواقف التى مررت بها والأخبار التى سمعتها أو قرأت عنها فى الفترة الماضية، ووجدتنى أيضا أطرح بعدها السؤال : ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟!
" الكونجرس يعلق جزءًا من المعونة الأمريكية ".. تذكرت مقولة عبد الناصر "الحرية التى اشتريناها بالدم لن نبيعها بالقمح" ووجدتنى أسأل نفسى: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.
"وزيرة خارجية الكيان الصهيونى تسيبى ليفنى تتطاول على مصر".. تذكرت تصريحات الخارجية المصرية التى قيل إنها قوية، فى الوقت الذى كان طرد السفير الصهيونى أو استدعاء السفير المصرى ــ فى رأيى ــ إجراء لا يتناسب مع الوقاحة الصهيونية .. حقيقة لم أجد غير هذا السؤال لأطرحه: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.
" زيارة الرئيس الأمريكى جورج بوش لمصر، لن تزيد على خمس ساعات" فى حين استغرقت زيارته إلى المملكة العربية السعودية يومين، وهو ما يعنى أن بوش جاء إلى شرم الشيخ فقط ليستجم بعد رحلته الطويلة فى المنطقة العربية.. ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.
التفاوض على كرسى!!
حتى وأنا أتابع ما ينشر عما أسموه" مفاوضات الوضع النهائى" تذكرت عبد الناصر، الذى تمر ذكراه فى ظروف بالغة الدقة على المستويين المحلى و الخارجى لنجد أنفسنا دون أن ندرى ومع كل موقف نمر به ــ بسيطا كان أو عميقا ــ نتذكر عبد الناصر.
ففى الوقت الذى يعلن فيه الجانبان الفلسطينى والإسرائيلى يوميا عن الأجواء الإيجابية التى تسيطر على مفاوضات الوضع النهائى المتعلقة بمسألة الحدود ووضع القدس واللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات الصهيونية فى الضفة الغربية وموارد المياه و الأمن.. وفى الوقت الذى يظهر فيه الجانبان وعلى وجوههم الابتسامات العريضة لنجاح الجولات التفاوضية، يعيش الشعب الفلسطينى فى الضفة وغزة تحت القصف الصهيونى والاعتداءات المستمرة التى تسفر عن استشهاد العشرات .. ليس هذا فقط بل تعلن حكومة " إيهود أولمرت " أنها خصصت ملايين الدولارات فى ميزانية 2008 لبناء المستوطنات بالضفة الغربية.
وحقيقة لا أدرى على أى شىء يتم التفاوض بين الجانبين ، ولماذا يعلن الجانب الفلسطينى أن الأجواء إيجابية.
والسؤال: هل تتفاوض القيادة الفلسطينية علي " كرسى" أبو مازن فى رام الله؟ أم تطرقت المفاوضات لما هو أكبر من ذلك وناقش الجانبان إشكالية وضع "اليافطة" المكتوب عليها دولة فلسطين التى حصل عليها "فريق أوسلو" قبل أعوام؟!.
ما نعرفه أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" .. وأنه ليس من حق أحد أن يصادر على حق الشعب الفلسطينى فى استرداد أرضه .. وإذا كانت القيادة الفلسطينية ــ لأسباب موضوعية أو لأسباب تخصها ــ غير قادرة على إدارة الصراع بشكل يحفظ الحقوق الفلسطينية الثابتة، فعلى الأقل يجب ألا تكبل الأجيال القادمة باتفاقيات ظالمة لا يترتب عليها أى حقوق للشعب الفلسطينى بل تظهر المقاوم الفلسطينى فيما بعد بمظهر المعتدى.
وجدتنى أسأل نفسي مجددا: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟!.
عيد الأثريين بالأمريكى !!
كان مستفزا لأقصى درجة حضور السفير الأمريكى ريتشاردونى احتفال الأثريين المصريين بعيدهم الثانى، وحمدت الله أننى لم ألبى الدعوة التى وجهت لى لحضور هذا الاحتفال لأسباب خاصة مع تقديرى لكل المشاركين فى هذه المناسبة (الوطنية) باستثناء هذا المسئول الأمريكى.
المشكلة ليست فى حضور ريتشاردونى فى الوقت الذى يشهد توتر العلاقات (المصرية ــ الأمريكية) فهى كما نعرف "سحابة صيف" سرعان ما تزول كما أن العلاقات المصرية الأمريكية عميقة وممتدة منذ "كامب ديفيد" وحتى الآن!!
لكن السؤال: ما هى علاقة هذا الرجل ممثل الإدارة الأمريكية فى مصر بالآثار المصرية والأثريين وعيدهم؟!.
ولأننى أعرف أن الاحتفال كان بدار الأوبرا المصرية يشارك فيه فقط من وجهت لهم الدعوة ــ لم يكن بأحد مقاهى القاهرة يسهل على أى عابر سبيل المشاركه فيه ــ أسأل: هل هناك نية لإقحام هذا الرجل فى الأعياد الوطنية .. عيد الإعلاميين أو عيد المعلمين مثلا؟!.
أم أن المسألة لها علاقة بالنشاط الأمريكى المكثف والملحوظ فى حقل الآثار المصرية الذى تقوم به الجمعية الجغرافية الأمريكية " الناشيونال جيوجرافيك" و قناة "ديسكفرى" وغيرها ؟! وهو النشاط الذى وضعنا تحته عشرات الخطوط وعلامات الاستفهام والتعجب، وحذرنا منه خاصة مع المحاولات الصهيونية المستميتة لتهويد الحضارة المصرية القديمة؟!.
البعض قال إنها صدفة خير من ألف دعوة رسمية، والبعض قال إنها محاولة من الأثريين المصريين لتلطيف الجو وتنقية الأجواء بين الإدارتين المصرية والأمريكية خاصة أن العلاقة توترت فى الآونة الأخيرة.
ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
جريدة " الأسبوع "