السبت، ١٤ يونيو ٢٠٠٨

حكومة علا غانم !!

حكومة .. علا غانم !!

بقلم : محمد السيسى

قرأت الحوار الذى أجرته جريدة "روزاليوسف" مع الآنسة علا غانم الأسبوع الماضى، الذى أكدت فيه أن الحكومة "ميه ميه" .. قصدها حكومة نظيف، والناس هى "اللى بتدلع".. تقصد الشعب المصرى.
الآنسة علا غانم قالت كمان: مصر أرخص بلد فى العالم وإيه يعنى لما الأسعار تزيد؟.. وأعلنت أنها مع زيادة أسعار البنزين علشان مش كل واحد معاه 10 آلاف جنيه "يجيب عربية ويقرفنا في الشارع" .. قصدها يقرف الباشوات أو الهوانم أمثالها.
ورغم أن كلام الآنسة علا غانم أثار غضب الكثيرين واندهاشهم إلا أننى أراه منطقيا، بل وأتفهم الدوافع التى جعلتها تقول هذا الكلام الذى لو قالت غيره لكانت ناكرة للجميل.
فلولا الحكومة الحالية والحكومات السابقة عليها أو بالأحرى السياسات التى تنتهجها حكومات الحزب الوطنى في العشرين سنة الأخيرة لما وصلت الآنسة علا لما وصلت إليه الآن .. لقد أصبحت وبسهولة شديدة من صفوة المجتمع ونخبته .. لم تسهر الليالي أمام الكتب، ولم تخترع، ولم تضف شيئا .. يا دوب " قصّرت البدى شوية .. والشورت شويتين".. فأصبحت فنانة كبيرة.
المشكلة ليست في علا غانم التي عبرت عن رأيها ببساطة وتلقائية شديدة .. المشكلة الحقيقية في التيار الذي تنتمي إليه، ورموزه رجال أعمال ووزراء وسياسيون وقادة وأصحاب قرار وذوو نفوذ.
فنحن أمام تيار جديد بدأ منذ فترة ليست بالقصيرة في التغلغل في أروقة الحكم، أفرزته سياسات الحزب الوطني بعد سيطرة الرأسمالية المتوحشة عليه .. أصحاب هذا التيار ينظّرون لما تقوله الآنسة علا غانم، لكنهم بالطبع أكفأ منها في التعبير عن أفكارهم ورؤاهم .. وأصحاب سلطة ينفذون سياساتهم بأساليب تبدو أكثر منطقية وإقناعا .. خاصة أنهم يغلفون ما يفعلون بعبارات جميلة عن العمال والفلاحين ومحدودي الدخل والفقراء والبسطاء.
يهدف هذا التيار وقد نجح إلي حد كبير إلي تقسيم المجتمع إلي طبقتين: طبقة "الرأسمالية المتوحشة" وطبقة "الشغيلة والفواعلية"، الأولي تملك كل شيء وروادها من سكان الأحياء الراقية ــ الشقة فيها بمليون جنيه ــ والثانية توفر قوت يومها بالضالين ويمثلها سكان صفط اللبن وزنين.
وهو التقسيم الذي نجح في دهس الطبقة الوسطي التي التحق جزء بسيط منها بطبقة الرأسمالية المتوحشة علي طريقة علا غانم "يا دوب تقصير البدي شوية .. والشورت شويتين" .. أما الجزء الأكبر الذي فشل لأسباب تخصه في مواكبة ما يجري فالتحق بطبقة الشغيلة والفواعلية.
كلمات الآنسة علا غانم التي استفزت زميلنا أحمد المسلمانى ودفعته لقراءتها ضمن فقرات برنامجه الشهير "الطبعة الأولي" علي قناة "دريــم"، ما هي إلا تعبير عن سياسات تنتهجها حكومات الحزب الوطني التي جاءت فقط لتيسير وتسيير مصالح طبقة رجال الأعمال .. ولا عزاء للفواعلية.

(2)
هذا التيار مثلا يري أن البطالة وانحدار مستوي خريجي الجامعات والكوارث التي نعيشها سببها مجانية التعليم، وعلي طريقة إفساد القطاع العام لبيعه، أفسد هؤلاء قطاع التعليم لبيعه هو الآخر ليصبح التعليم للقادرين فقط، وعلي رأي الراحل توفيق الدقن "لما الناس كلها تبقي فتوات مين اللي هينضرب".
المرحلة الجديدة عايزة خدم و عبيد.. عايزة فواعلية.. إيه يعني لما ابن الزبال يطلع زبال وابن السباك يطلع سباك وابن الدكتور يطلع دكتور.
أرجو ألا ينخدع الناس بعبارات السادة المسئولين عن مجانية التعليم، وحكاية ان التعليم حق دستوري وغيرها من الحكايات اللي بنسمعها من المسئولين قبل النوم .. كلها أيام وتنتهي امتحانات الثانوية العامة.. وأسابيع وتظهر النتائج لنجد أن الحاصلين علي 75 ٪ ليس لهم مكان بالجامعات الحكومية ــ المجانية إلي حد ما ــ وعليهم التوجه للمعاهد والجامعات الخاصة أو الاكتفاء بالثانوية العامة والانضمام لصفوف الحاصلين علي الدبلومات أو المكتفين بالإعدادية.. وعلي طريقة علا غانم مش كل واحد معاه 10 آلاف جنيه ودخـّــل ابنه دروس خصوصية في الثانوية العامة وجاب 75 ٪ يقرف ولاد الباشوات في الجامعة.

(3)
بنفس المنطق .. ولحماية السادة المرضي ذوي الأموال من قرف الفقراء تدار حاليا المستشفيات الحكومية، فقد رفض مستشفي صدر إمبابة دخول رجل بسيط اسمه عم حميدة غرفة العناية المركزة لعدم قدرته علي سداد 500 جنيه وظل يصرخ بالمستشفي حتى لفظ أنفاسه الأخيرة!!
اللي مش مصدق يروح قسم شرطة السيدة زينب محل سكن عم حميدة ويشوف المحضر رقم (4) أحوال ، اللي حررته أسرة المريض ضد مستشفي صدر إمبابة لأنه رفض دخول والدهم غرفة العناية المركزة .. أو يروح قسم شرطة إمبابة ويشوف المحضر رقم
(٩٥٣٧) اللي حررته أسرة المرحوم في اليوم التالي.
لقد أصبح العلاج مقصورا علي السادة القادرين .. أما عبارة "العلاج علي نفقة الدولة" فأصبحت ثقيلة علي السادة المسئولين ولسان حالهم يقول: إحنا عندنا أزمة، كل سنة بنزيد ملايين، لازم الفقرا يبقي عندهم شوية دم وما يقرفوش الأغنيا في عيشتهم .. اللي مش هايقدر يعالج نفسه ويموّل خزينة وزارة الصحة أو يموّل حسابات السادة أصحاب المستشفيات في البنوك يبقي يتوكل علي الله ويموت .. يريّح ويستريّح، ويمكن كمان يبقي شهيد ويدخل الجنة.
حكاية عم "حميدة" ليست فردية ولا تعبر عن خطأ موظف أو طبيب، فقد أدان المركز المصري لحماية ودعم صناعة الدواء سياسات وزارة الصحة مع المرضي وقال في بيان له: إن طرد المرضي من المستشفيات أسفر عن وفاة 52 حالة في ٤ محافظات هي الفيوم وبني سويف وكفر الشيخ والدقهلية.
لقد كانت كلمات ابن المريض التي نشرتها "المصري اليوم" في ٣ يونية 2008 كفيلة بأن تقلب الدنيا رأسا علي عقب لو كنا نعيش في ظل حكومة غير حكومة علا غانم، أقصد حكومة رجال الأعمال.

عبد المنعم عمارة !!

صدمتني تصريحات الدكتور عبد المنعم عمارة محافظ الإسماعيلية، وزير الشباب والرياضة الأسبق التي أدلي بها علي شاشة قناة المحور في البرنامج الشهير "منتهي السياسة" للزميل محمود مسلم .. فقد اعترف والاعتراف سيد الأدلة أنه قام بتزوير انتخابات كثيرة عندما كان محافظا للإسماعيلية، بل وقال: لو هادخل النار هايكون بسبب ما قمت به من تزوير في الانتخابات!!.
وجدتني أسأل نفسي: كيف حدث ذلك ونحن نعيش أزهي عصور الديمقراطية؟!
تزوير انتخابات في مصر؟! .. مش ممكن .. طيب والشفافية والمصداقية والحرية.. واللي بنسمعه عن الديمقراطية من 25 سنة .. كل ده كان كلام في كلام؟!
لم أصدق ما سمعته وانتظرت خروج أي مسئول حكومي لنفي أو تكذيب كلام عبد المنعم عمارة واتهامه بالانضمام إلي "المحظورة" كما يحلو للمسئولين الحكوميين تسمية جماعة الإخوان المسلمين .. يوم والتاني لا حس ولا خبر.
سألت نفسي: ممكن يكون ما حدش سمع كلام عمارة في "المحور" .. طيب إزاي ؟! ده معظم المواقع الإلكترونية نقلت التصريحات تحت عنوان "مسئول مصري كبير: تزوير الانتخابات سيدخلني النار!! ".
لماذا لم ترد الحكومة علي هذه التصريحات الخطيرة الصادرة عن أحد رجال الحكم السابقين.. هو عبد المنعم عمارة شوية ؟.. ده شغل موقعين من أهم المواقع التي عرفتها مصر: محافظ ووزير ولمدة 20 سنة .. محافظ الإسماعيلية من 1978 حتي 1990 ورئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة حتي 1998.
طيب بلاش نفي حكومي .. يمكن الكلام بجد .. طيب ليه النائب العام والجهات المسئولة لم تستدع عمارة للتحقيق معاه؟!
وجدتني في النهاية أعمل بنصيحة زميلنا خالد الدخيل "نفض هدومك وتابع الحياة"!!.

شهيد الخبز

تحية للفنان الملتزم بقضايا وطنه .. وتحية للفن الذي ينفعل بهموم الناس ويعبر عنها .. لقد قدم الفنان التشكيلي أيمن السمري، في المعرض الأخير الذي استقبلته قاعة "إبداع" نموذجا للفن الجاد، حيث تناول في معرضه عبر أعماله الفنية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشارع المصري.
ويأتي في مقدمة هذه الأعمال لوحة " شهيد الخبز" التي يجسد فيها مواطنا بسيطا يسقط علي ركبتيه شهيدا في سبيل الحصول علي رغيف عيش.. ويذكرنا المشهد بالشهيد المصري الذي سقط علي ركبتيه وهو يرفع علم مصر علي أرض سيناء .. هذا مات دفاعا عن تراب وطنه، أما الآخر فقد مات في سبيل الحصول علي لقمة عيش.
جسدت لوحات السمري، كذلك حالة الانكسار التي يعيشها المواطن المصري، فلوحات المعرض تعبر عن الجسد في حالة انحناء ومهانة تعبر عما نعيشه هذه الأيام.
تحية أيضا لرجال الشرطة الذين منعوا تعليق "البوسترات" ــ اللوحات الإعلانية عن المعرض في الشوارع ــ خوفا من إثارة الرأي العام، فقد أثبتوا دون أن يشعروا أن الفن الجاد .. الأغنية الجادة والفيلم الجاد والرواية الجادة .. أقوي وأفضل وسيلة لمواجهة الظلم.

الاثنين، ١٢ مايو ٢٠٠٨

" القميص أبو ترتر " وقانون الطفل !!


"القميص أبو ترتر" .. وقانون الطفل !!

بقلم : محمد السيسى


كانت مظاهرها تصدمنا في البيوت و الشوارع والمدارس والجامعات ومحلات الوجبات السريعة.. الفتيات يسرن شبه عاريات بل ويتفنن في العرى، شبابنا.. رجال المستقبل وصانعوه يرتدون ــ دون خجل ــ ملابس البنات الــ " تى شيرت" المشغول ــ "أبو ترتر" ــ والمزركش بالألوان الزاهية الحمراء والخضراء والموف والبنفسجى.. ناهيك عن البنطلون (الرجالى) الساقط حتى آخر فقرة فى الظهر، أو الرسومات والعبارات الجنسية الفجة المكتوبة على ملابس الكثير من الشباب.
وقفنا متفرجين أمام عمليات غسيل المخ ومحو الهوية، نستقبل تحذيرات المثقفين الوطنيين بضرورة التمسك بالهوية ومقاومة الذوبان فى الثقافة الأمريكية ببلاهة وسلبية.
ها هى العولمة تنتقل من قاعات الندوات والمؤتمرات وأروقة المقاهى الثقافية إلي الشوارع والبيوت.. تداهمنا عن قرب يوما بعد الآخر، نكتشف حقيقتها مع تطبيقها القهري على شعوبنا المستضعفة.
الآن تتم ترجمتها إلى قوانين وتشريعات جديدة أو بالأحرى "مستوردة" .. قانون الطفل .. قانون المرأة .. " قانون حماية الشواذ" قريبا إن شاء الله.. كلها قوانين غريبة على مجتمعنا تنطلق من البروتوكولات والمعاهدات الموقعة بين طرف ضعيف لا يملك من أمره شيئا وطرف أقوى يملك فى يده كل شئ.
على هذه الأرضية تابعت قضية " قانون الطفل الجديد" وردود الفعل التى أعقبت الحديث عنه ــ أثناء مناقشته وبعد خروجه من مجلس الشورى تمهيدا لفرضه ــ فوجدتنى أمام فريقين: الأول: يؤكد أن القانون خطوة حضارية مهمة لاستكمال مسيرة "الإصلاح الاجتماعى"! مستندا إلى وجود مشكلات اجتماعية عديدة أصابت المجتمع المصرى.
ولا يجد أصحاب هذا الفريق أدنى مشكلة فى استيراد النصوص الغربية التى لا تراعى ظروف المجتمع الشرقى واحتياجاته، وأبرزها البند الذى يتيح للأبناء إبلاغ الشرطة إذا ما تعرض الطفل للاعتداء من أحد والديه، ويجرم الجيران الذين لا يبلغون عن هذه الوقائع، بل يرى هؤلاء أن تحريض الأطفال والشباب والأبناء على آبائهم أمر ضرورى لوقف ضرب الآباء للأبناء!!.
ويدافع هؤلاء عن رفع سن الطفولة إلى 18 عاما و بالتالى سن الزواج إلى نفس السن، وغيرها من البنود المستوردة من الاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر.
أما الفريق الثانى ــ وأنا منه ــ فيرفض القانون جملة وتفصيلا.. ليس فقط لأنه يضم بنودا أمريكية خالصة ولكن لأنه يمثل بالنسبة لى الخط الفاصل بين الإصلاح على أرضية وطنية مصرية عربية والإصلاح "المستورد" وفق أجندة تساهم فى محو الهوية وتدفعنا نحو الذوبان فى الذات الأمريكية.
الخلاف بين الفريقين ليس خلافا على بنود قانون أو قضية بعينها مطروحة للمناقشة بل هو خلاف على طريقة التعاطى مع "العولمة" وفرض ثقافة الأقوى ومدى التمسك بهويتنا الثقافية والدينية فى مواجهة عمليات أمركة المنطقة العربية.
وأعتقد أنه فى الكثير من القضايا الاجتماعية أو السياسية التى تطفو على السطح نجد أنفسنا أمام نفس الفريقين.. فريق منبهر بكل ما هو أمريكى حتى وإن كان لا يتناسب مع قيم ومبادئ المجتمع وعاداته وتقاليده، تبهره العبارات الرنانة ومظاهر التحضر الشكلية.. وفريق آخر رافض لسياسة "التنميط" التى تفرضها الدول الكبرى عبر الاتفاقيات والمعاهدات أو المواثيق الدولية التى تساق دول العالم الثالث للتوقيع عليها.
أنا ضد العنف بكافة أشكاله.. ولا أعتقد أن أحدا يقبل أن تمر عمليات التعذيب البدنى التى يقوم بها بعض الأزواج ضد زوجاتهم أو الآباء ضد أبنائهم دون عقاب.. لكن فى المقابل هذه التجاوزات نظمها القانون ووضع عقوبات مشددة لمرتكبها .. فما هو الداعى لسن تشريعات جديدة؟!
أعرف أن هناك آباء لا يعرفون عن التربية سوى الكى بالنار والضرب بالعصا.. وأعرف أن لدينا مشكلات اجتماعية كثيرة، لكن البحث عن حل هذه المشكلات المتوارثة فى سلة القوانين الأمريكية لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا خاصة أن أى قانون يتعارض مع العادات والتقاليد والثقافة أو الشريعة سيتم التحايل عليه بما يشكل خطورة أكبر على الأطفال فيما بعد كما يحدث مع ختان الإناث الذى انتقلت عملياته من المستشفيات والمراكز الطبية إلى الشقق المغلقة!!.
بقى أن أقول: إن انتصار أى فريق على الآخر مرهون بمدى تمسكنا بديننا وثقافتنا.. مرهون بمدى مقاومتنا لمحاولات طمس الهوية وفرض الثقافة الغربية على مجتمعاتنا الشرقية.. مرهون بمدى مقاومتنا لأنماط الثقافة الأمريكية.
مواجهة هذا القانون وغيره من القوانين المستوردة تبدأ بمقاطعة الوجبات والسلع الاستهلاكية الأمريكية، والملابس العارية الضيقة "الساقطة" و"القميص أبو ترتر" والمواقع الإلكترونية الإباحية والفضائيات التى تستهدف تسطيح عقول أبنائنا وتهميش وعيهم واستنزاف طاقاتهم وتحويلهم عن القضايا المصيرية المهمة.


تصدير الغاز لـ "إسرائيل"!!

حقيقة لا أدرى لماذا اختارت مصر الغاز الطبيعى تحديدا لتقديمه إلى "إسرائيل" في عيد ميلادها الستين؟!!
أعتقد أن القرار المصرى بالسماح بتصدير الغاز لــ "إسرائيل" لم يخضع للدراسات الكافية وجاء متسرعا إلى حد كبير!!.. بالطبع أنا لا أقصد مطلقا أن وجود خط أنابيب ممتد من غرب سيناء إلى شرقها، وصولا إلى "إسرائيل" يمثل خطرا أمنيا كبيرا على مصر.. أو أنه سيكون بمثابة مسمار جحا جديدا لا سمح الله.. أو أنه يمثل استفزازا لمشاعر الغالبية العظمى، فهذه أمور تافهة ويجب ألا تشكل عائقا أمام فتح آفاق جديدة للتصدير!!.
لكن لو فكر السادة المسئولون ثوانى لكانوا اختاروا هدية أخرى!!، فهم لا يفوتون فرصة أو مناسبة أو لقاء صحفيا أو تليفزيونيا إلا وتغنوا بدعم الوقود فى مصر، وتحمل الحكومة الرشيدة الخسائر الباهظة لتوصيل الوقود للمصريين بسعر مدعم، فكيف سيقوم السادة المسئولون بعد ذلك بمعايرة الشعب المصرى بتوفير الوقود المدعم بعد أن قدموه للشعب "الإسرائيلى" بربع ثمنه العالمى؟!!
أعتقد لو فكر السادة المسئولون قليلا لاختاروا هدية أخرى غير مدعومة تسمح لهم بــ "سم بدنا" ومعايرتنا كل يوم، كالحديد مثلا.. فلماذا لا تقدم مصر حديد التسليح هدية للشعب "الإسرائيلى" فى عيد ميلاده الستين؟!!.. فإذا كان الصهاينة فى حاجة للوقود لقمع الشعب الفلسطينى، وتحريك الدبابات والآلات العسكرية لإرهاب مصر وسوريا ولبنان وإيران .. فهم أيضا بحاجة شديدة للحديد لبناء المزيد من المستوطنات والجدران العازلة!!.

شعبية الإخوان !!

جاء إضراب 4 مايو على عكس المتوقع تماما .. بدت الحياة طبيعية فى مختلف المدن المصرية .. فتحت المحلات التجارية أبوابها منذ الصباح.. لم تختلف شوارع القاهرة كثيرا يوم الأحد، باستثناء التواجد الأمنى المكثف الذى يكشف دوما عن حالة الهلع التى تنتاب أجهزة الدولة مع أى اعتصام أو مظاهرة أو حتى دعوة للإضراب والبقاء بالبيوت.
على عكس العادة خرجت من البيت مبكرا وقبل مواعيد العمل بوقت كاف يسمح لى بالتجول فى شوارع القاهرة.. كنت مشغولا هذه المرة بالإضراب ونتائجه، خاصة بعد إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن مشاركتها ومؤازرتها للدعوة التى أطلقها عدد من نشطاء شبكة الإنترنت على موقع "الفيس بوك".
كنت حريصا على متابعة الإضراب ذى الصبغة الإخوانية وحقيقة وجود هذا التنظيم فى الشارع، خاصة أنهم لا يملَّون المبالغة الشديدة فى شعبيتهم وقدراتهم على الحشد والتأثير.
هذه المبالغة التى أصبحت بفعل الإلحاح والتكرار أمرا واقعا و(حقيقة) يؤمن بها الكثير من الناس وبعض القوى السياسية، والسياسيون الذين يهرولون وراء عقد الصفقات مع الإخوان بحثا عن الشعبية!!.
الغريب أن كثيرين ممن وقعوا تحت تأثير المبالغات "الإخوانية" لم يصدقوا ما حدث، حتى إن أحد الناشطين السياسيين قال عقب فشل الإضراب إن الإخوان أعلنوا مشاركتهم ولم يشاركوا في آخر لحظة خشية رد فعل الدولة!!!.
على جانب آخر ورغم فشل الإضراب فى تحقيق أهدافه إلا انه نجح ــ فى رأيى ــ فى التأكيد على مجموعة من الحقائق:
  • أجهزة الأمن ساهمت إلى حد كبير فى نجاح إضراب 6 أبريل بإجراءاتها العصبية وبياناتها التى سببت حالة من الرعب عند الناس دفعتهم للبقاء بالمنازل، وهو نفس السبب الذى ساهم فى نجاح الإضراب فى المحلة يوم 4 مايو.
  • الدولة المصرية مصابة بالهلع من رد فعل الشارع، خاصة أن أجهزتها المختلفة ترصد حالة من الغضب كامنة فى الصدور نتيجة الأوضاع المعيشية السيئة وهى حالة تنذر بالانفجار من وقت لآخر ، لكن للأسف يتم التعامل مع الأمر بفكر أمنى خالص.
  • الأخطر أن الناس فقدت الثقة فى كل التنظيمات السياسية الموجودة على الساحة بداية من الحزب الوطنى مرورا بأحزاب المعارضة، وحتى التنظيمات الأخرى كتنظيم الإخوان المسلمين وكفاية وغيرهما.
    لقد بدا واضحا من إحجام الناس عن المشاركة فى إضراب ٤ مايو أن الشعب المصرى مازال يحتفظ لنفسه بحق الرد على عمليات التجويع التى تمارس ضده.. أعرف أن البلد انقسم إلى فئتين: فئة تملك كل شىء لا ترغب فى التغيير، وفئة لا تملك أى شىء غير قادرة على التغيير، لكن مخطئ من يتصور أن الأوضاع ستظل على ما هى عليه، فالجوع أكبر محرك للشعوب، والظروف كلها تدفع بالناس إلى أحد طريقين: إما الانتحار وإما الانتقام.. الانفجار القادم.. قادم.. ولن يبقى على أحد.

جريدة " الأسبوع "
السبت 10 مايو 2008

الاثنين، ٧ أبريل ٢٠٠٨

هروب‮ "‬الحضرى‮".. ‬وخروج‮ "الأسوانى‮"‬!!

هروب "الحضرى".. وخروج "الأسوانى"!!

بقلم : محمد السيسى

أنا لست من عشاق كرة القدم أو حتى من جمهورها، لكن وجدتني أتابع بشغف قضية عصام الحضري وقصة هروبه الكبير إلي سويسرا.. ربما لأنها أعقبت فوز مصر ببطولة الأمم الأفريقية مباشرة.. وربما لأنها تحولت إلي قضية رأي عام تحدث عنها الملايين ومازالوا يعيشون ويتابعون تفاصيلها يوما بيوم وخطوة بخطوة، لدرجة أنها مازالت تحتل صدر الصفحات الأولي في كافة الصحف.. وربما أيضا لأنها أعادت لحواراتنا ــ نحن المصريين ــ مفردات كانت قد تلاشت منذ فترة أو في طريقها، كالانتماء وحب الوطن والخيانة والتضحية، وغيرها من العبارات التي قلما نسمعها هذه الأيام.
كنت أتابع هذه الحالة التي خلٌفها هروب الحضري، ولم أكن أنوي في يوم أن أكتب عنها لولا أنها ارتبطت في ذهني مؤخرا بسفر الكاتب علاء الأسواني للمشاركة في معرض باريس الدولي الذي استضاف 'إسرائيل' كضيف شرف في دورته الأخيرة بمناسبة مرور 60 عاما علي قيام دولة الكيان الصهيوني، وهو المعرض الذي افتتحته وزيرة الثقافة الفرنسية كريستيان ألبانيل بحضور الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن: لأن عصام الحضري أو "الخائن" في أدبيات عشاق النادي الأهلي وجمهور الكرة سافر خلسة إلي سويسرا لينضم إلي نادي "سيون" ضاربا بحب الجماهير المصرية عرض الحائط ومضحيا بتاريخه الطويل ومتجاوزا العقد الذي أبرمه مع النادي الأهلي.. يا له من التفاف علي القوانين والأعراف الدولية والآداب التي تنظم انتقال اللاعبين بين الأندية!!
عصام الحضري خائن.. ناكر للجميل.. ضحي بكل عزيز وغالي.. باع ناديه الذي رباه من أجل حفنة ملايين من الدولارات ــ يا له من مبلغ تافه لا يساوي شيئا بالنسبة للقيم والمبادئ التي تربي عليها في النادي الأهلي ــ لذلك فهو يستحق اللعنات التي يصبها عليه جمهور الكرة أو المصريون لا فرق.
الكل غاضب وناقم علي تصرف الحضري المشين، رغم محاولاته المستميتة لاستعطاف الناس في تصريحاته الأخيرة قبل سفره الأخير، فعصام الحضري باع القضية.. أقصد قضية الذود عن مرمي النادي الأهلي لذلك نال غضب المصريين وسخطهم واستحق لعناتهم آنا الليل وأطراف النهار.. في طوابير العيش وهم يشاهدون بأعينهم عمليات تهريب الدقيق المدعم من الأفران لبيعه في السوق السوداء، وفي طوابير مترو الأنفاق للحصول علي تذكرة، وعلي الأرصفة في انتظار الأتوبيسات والميكروباصات، وحتي علي المقاهي التي تستقبل منذ الصباح الباكر ملايين العاطلين.
في المقابل مرت مشاركة الكاتب ــ الشهير بعد فيلم ومسلسل "عمارة يعقوبيان" ــ علاء الأسواني في معرض باريس الدولي للكتاب مرور الكرام دون أن يلتفت لها أحد أو يهتم بها أحد، واختفت من جديد مفردات الانتماء وحب الوطن والخيانة.. رغم خروج علاء الأسواني الفج علي قرار المقاطعة العربي والإسلامي الرافض للمشاركة في معرض يحتفل بمرور 60 عاما علي احتلال الأراضي العربية في فلسطين.
كنت أظن ــ وبعض الظن إثم ــ أن الخبر الذي تناقلته بعض الصحف ووكالات الأنباء العربية والأجنبية والتقرير الذي نشرته الزميلة مني شديد حول مشاركة علاء الأسواني في معرض باريس سيقلب الدنيا، ويحرك المشاعر لتصاغ البيانات الرافضة وتعقد الندوات، كما تحركت مشاعر الغيورين علي النادي الأهلي والكرة المصرية بعد سفر الحضري.. لكن للأسف خاب ظني، وكأن شيئا لم يكن.
المثير أن الكاتب الإسرائيلي "أهارون شابتاي" بعث برسالة إلي وزارة الثقافة الفرنسية قال فيها: إن "دولة تستمر في الاحتلال وترتكب كل يوم مجازر بحق المدنيين لا تستحق أن تدعي لأي أسبوع ثقافي"، وأضاف في رسالته إن ذلك "ضد الثقافة وعمل بربري متنكر بزي الثقافة ويعبر عن دعم فرنسا لإسرائيل".. وأكد أن "إسرائيل ستستغل هذه الفرصة للدعاية لنفسها كدولة الثقافة والشعراء لتتستر علي ما ترتكبه من جرائم بشعة بحق الإنسانية".
ليس هذا فقط، بل نظم كتاب يهود مقاطعون ــ من جنسيات مختلفة ــ ندوة موازية للمعرض بباريس، وأعلن العديد من الكتاب الإسرائيليين ومنهم "بني زيفار" عن مقاطعتهم للمعرض احتجاجا علي ما تقوم به حكومتهم من انتهاكات بحق الفلسطينيين.
وقال 'بني زيفار' في مقال نشرته جريدة "هاآرتس" إن الحكومة الإسرائيلية طالبت المشاركين بأن يكونوا أبواقا لدولتهم في باريس.
هذا في الوقت الذي تباري فيه علاء الأسواني ــ دون خجل ــ في الدفاع عن مشاركته، مستخدما نفس العبارات التي يستخدمها المطبعون ــ أمثال علي سالم وغيره ــ من عينة ذهبت لأفضحهم!! وقال إنه حمل معه صورا للمذابح الوحشية التي يرتكبها الاحتلال، بينما لم يعبر ولو بكلمة واحدة عن استيائه لاستضافة "إسرائيل"، ولم يشر في عبارة واحدة للمجازر الصهيونية في الحوار الذي أجراه معه موقع المعرض، بل انصب حديثه ــ فقط ــ علي إبداعاته القصصية.
أعرف أن إدارة المعرض نظمت حفلين لعلاء الأسواني للتوقيع يومي 15 و16 مارس الماضيين لترجمة أعماله للفرنسية.. لكني أعرف أيضا أن عددًا من الناشرين والكتاب اللبنانين نقلوا حفلات التوقيع إلي وكالة السياحة اللبنانية بباريس ومنهم نديم عبود الذي وقع كتابه حول تجربته كمسعف في الصليب الأحمر اللبناني خلال سنوات الحرب بالوكالة، وقال لوكالة "فرانس برس": جئت إلي باريس علي أساس توزيع الكتاب وكنت أود توقيعه في معرض الكتاب الفرنسي، لكن حين صدر قرار المقاطعة قررنا المجيء إلي مكان لبناني لتوصيل الرسالة.
عزاؤنا الوحيد أن المعرض شهد تراجعا كبيرا في مبيعاته التي قلت بنسبة 20 بالمائة عن العام الماضي، كما انخفضت نسبة الحضور إلي ثمانية بالمائة بالمقارنة مع 2007 وفق ما قالته صحيفة الــ"لوموند".

الرسوم المسيئة

شأني شأن كل المسلمين في شتي أنحاء العالم أغضب من الإساءات المتكررة للإسلام ولسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ورغم ذلك تسعدني جدًا حالة التضامن التي تبدو عليها الشعوب الإسلامية في كل بقاع العالم ضد هذه الإساءات، وتجسدها المظاهرات الغاضبة والمسيرات التي تجتاح الشوارع والميادين في العواصم العربية والأجنبية وحملات المقاطعة التي ينادي بها الغيورون علي نبيهم ودينهم للسلع الدنماركية أو الهولندية أو غيرهما من الدول التي ينتمي لها أصحاب الرسوم والأفلام المسيئة.
وإن كنت أري أن هذا ليس كافيا لمواجهة هذه الإساءات لنبينا الكريم، لكن أتمني أن تستمر هذه الحالة وتتصاعد لمواجهة كل خطر حقيقي يهدد أمتنا العربية والإسلامية، وأتمنى أيضا أن يعرف المسلمون الذين يغضبون لنبيهم أن الملايين من العراقيين والفلسطينيين والأفغان والصوماليين والسودانيين وغيرهم من الذين قتلوا ومازالوا يقتلون ويعذبون بأبشع وأقسى وسائل التعذيب وتنتهك أعراضهم وحرماتهم في اليوم ألف مرة.. كل هؤلاء هم من أتباع سيدنا محمد ولابد أن نغار عليهم ونغضب من أجلهم، ونبذل كل ما في وسعنا للدفاع عنهم.
كما أتمني أيضا أن يؤمن الجميع بأن جورج بوش وديك تشيني وكونداليزا رايس وبلير وإيهود أولمرت وباراك ومن هم علي شاكلتهم أخطر بكثير علي الإسلام من بعض التافهين ــ أصحاب الرسوم المسيئة ــ ودولهم أمريكا وبريطانيا و"إسرائيل" وغيرها من الدول الاستعمارية هي الأولي بالمقاطعة.
وأعتقد أن سيدنا محمد لو كان بيننا الآن لأغضبه قتل وذبح واغتصاب وانتهاك أعراض المسلمين أكثر مما يغضبه الإساءات إليه صلي الله عليه وسلم.

محمد خراجة!!

تحت عنوان "نقابة الصحفيين تبدأ أولي خطوات التفلت من صرف البدل" قرأت علي موقع "إخوان أون لاين" تصريحا للزميل محمد خراجة عضو مجلس نقابة الصحفيين وأمين الصندوق بها حول بدل التدريب والتكنولوجيا، قال فيه: "سيتم دعم الصحف الخاصة لمدة خمس سنوات بالبدل بعد إضافة الزيادة المقررة عليه علي أن تقوم الصحف بعد هذه المدة بالاعتماد علي نفسها في تمويل ذاتها مثل الصحف القومية التي ستعتمد علي ضريبة الدمغة التي تدفعها للنقابة".
وبرر محمد خراجة ذلك وفق ما جاء في التقرير بقوله: "مش معقول الدولة تصرف علي مشروع استثماري طول العمر ــ يقصد الصحف المستقلة ــ لأنها من المفترض أن تعتمد علي نفسها ولا تتحمل الدولة خسارتها إذا لم تحقق أرباحا".
حقيقة أدهشتني اللغة التي تحدث بها الزميل خراجة، فقد تحدث كما لو كان أمين صندوق الحكومة، وليس أمين صندوق نقابة الصحفيين، ناهيك عن وصفه للصحف المستقلة بالمشروعات الاستثمارية، فأنا هنا لا أريد أن أدخل مع الأستاذ محمد خراجة في جدال عن الصحف المستقلة ودورها الملموس في الحياة الصحفية، والفرق بينها وبين الصحف الحكومية والفرق بينهما وبين المشاريع الاستثمارية التي يعرفها هو جيدا.
لكن هناك سؤالا يتبادر إلي الأذهان بمجرد قراءة هذه التصريحات .. هل هذا توجه حكومي، أم أنه توجه نقابي، أم أن المسألة مجرد رأي خاص بالأستاذ خراجة؟!
وإذا كان هذا التوجه نقابيا يبدأ به المجلس الجديد عهده.. هل سيتوقف الأمر عند البدل أم أنه مجرد بداية وسنفاجأ فيما بعد بالتفكير في إلغاء مشروع العلاج، وتحميل المؤسسات الخاصة مهمة علاج أفرادها بعد توفيق أوضاعها؟ وهل سينسحب ذلك علي جميع الخدمات؟.
ثم ما هو مصير نقابة الصحفيين في حالة تنفيذ هذا المخطط.. هل ستتحول إلي مقهى أو ناد اجتماعي؟ أم أن الصحف الخاصة ستكون مسئولة عن الاشتراك لأفرادها في الأندية الاجتماعية لتتحول النقابة إلي متحف مفتوح؟!
كنت أتمني أن يفكر محمد خراجة في حل مشكلة البدل في الصحف القومية فزملاؤنا هناك يحصلون عليه بالقطارة، وكلما تيسر!!
كنت أتمني أيضا أن يبحث المجلس الجديد عن مشاكل الصحفيين الحقيقية بدلا من مغازلة الحكومة بإطلاق مثل هذه التصريحات، كما كنت أتمني أن يفكر المجلس الجديد في آليات فاعلة لإلزام المؤسسات الحكومية والخاصة بالعقد الموحد.. بعدها نفكر في بدل التدريب وكيفية إنفاقه في مكانه الصحيح، لتنمية قدراتنا كصحفيين بدلا من إنفاقه علي الزيت والسكر والأرز كما يحدث الآن!!.
جريدة "الأسبوع"
5 أبريل 2008

الاثنين، ٣ مارس ٢٠٠٨

المشروع القومى للطوابير!!


المشروع القومى للطوابير !!


بقلم : محمد السيسى

" ولد المصرى ليقف فى الطابور" أعتقد أن هذه العبارة ستكون من أدبيات المواطن المصرى فى الفترة القادمة وسيسجلها التاريخ ويحفظها شأنها شأن مقولة مصطفى كامل الخالدة والتى أعتز بها وأرددها دوما "لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا".. ولو أطال الله فى عمر يوسف بك وهبى لقال "وما الدنيا إلا طابور طويل".
حاولت أن أجد شيئا يحصل عليه المواطن المصرى البسيط دون طابور فلم أجد، طبعا هذا باستثناء طبقة النصف فى المائة التى تحصل على كل شىء دون أن تبذل أى شىء .. تذكرة المترو بالطابور، حصول المسنين أو الشباب ــ بعد المعاش المبكر ــ على المعاش بالطابور .. ركوب الميكروباص بالطابور .. حتى عندما يقف المذنبون أو غير المذنبين لتلقى الإهانات فى أى قسم شرطة يكون ذلك بالطابور ، بل هو بالفعل اسمه "طابور العرض".
أعرف قبل غيري أن الطابور وسيلة مهمة للتنظيم.. "ياما وقفت فى طوابير، وراضى بظروف بلدنا .. بل ومؤمن بمقولة إسماعيل ياسين : فيه ناس بتكسب ولا تتعبش وناس بتتعب ولا تكسبش"، لكن أن تتحول حياتنا كلها إلى طابور طويل فهذا أمر غريب وغريب جدا لا ينم عن تنظيم إطلاقا بل على العكس يؤكد سوء التنظيم والعشوائية.
وحقيقة الأمر أن طابور العيش يؤرقنى ويستفزنى فى كل مرة يصادفنى فيها فرن بلدى ، لكن ما رأيته الأيام الماضية من تطور خطير فى طوابير العيش أحزننى جدا ، فقد وجدت أمام فرن العيش الذى أسكن بجواره ــ في عابدين ــ ستة طوابير دفعة واحدة وكل طابور يقف فيه ما لا يقل عن 20 رجلا وسيدة.
معلوماتى وخبراتى تؤكد أن ربنا خلق طابور العيش واحدًا ، غالبًا بفرعين، فرع للرجال وآخر للسيدات ، شأنه شأن كل الطوابير فى حياتنا.
تعجبت جدًا واقتربت من مجموعة الطوابير لأسأل هو فيه إيه ؟
فرد على شاب ساخرًا: " فيه محشى ..... ".
قلت له بغضب شديد: إيه الروقان ده إنت واقف قدام شباك سينما ؟!! .. أنا عايز أقف فى الطابور دلوقتى .. أقف فين ؟!
فسألنى: أنت أول مرة تشترى فيها عيش ؟!!
قلت له: طول عمرى أعرف إن فيه طابور للستات وطابور للرجالة!!
فرد: ده كان زمان دلوقتى لو عايز ( 5 ) أرغفة تقف في الطابور ده .. و ( 10 ) أرغفة ده .. ومن 75 قرش لغاية جنيه تقف فى الطابور ده ، ودول 3 طوابير زيهم للستات.
وقفت بعض الوقت لم أشاهد علامة غضب أو استياء أو زهق على وجه أحد.. فحاولت استنطاق الناس قائلا : عمرنا ضاع فى الطوابير .. إحنا هانفضل واقفين لغاية إمتى؟
رد علىّ الشاب: مش مهم الوقت .. المهم بعد الوقفة الطويلة تلاقى عيش!
بادرته: هو ممكن......؟
قاطعنى: أيوه .. هو انت فاكر إن الناس اللي بتموت بعضها والمشاكل والخناقات اللى بتحصل عند الأفران وبنقراها فى الجرايد، علشان الناس بتزهق من الوقفة.. لأ طبعًا، المشكلة انه ممكن بعد ساعة واتنين تلاقى الشباك اتقفل وقالولك العيش خلص!!، وتبقى مضطر تجيب الرغيف الاستثمارى أبو نص جنيه.
انصرفت على الفور وأنا أسأل نفسى : هل وصلنا لهذه الدرجة ؟ وهل أصبح الوقوف فى طابور العيش مجرد مغامرة يمكن أن تنجح وربما تفشل؟! .. هل هذا هو النظام ؟! وهل أصبح الحصول على رغيف العيش مجرد صدفة؟!
ثم ماذا عن العمال والموظفين؟ هل يحصل الموظف على أجازة لشراء رغيف عيش، أم أنه مجبر على التضحية بنصف مرتبه لشراء العيش الاستثمارى ؟! ناهيك عن النساء و العجزة والمسنين والأطفال الذين يبدءون يومهم بالوقوف فى طابور طويل عريض يمتهن كرامتهم وللأسف ربما دون جدوى!!
وفى الوقت الذى ينام فيه البسطاء على الأرصفة أمام الأفران ليحجزوا أدوارا متقدمة فى الطوابير يصدمنا وزير الزراعة السابق أحمد الليثى بتصريحه الخطير لصحيفة "الدستور": أسباب عدم تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح فى مصر سياسية وليست زراعية .. والذى شرح خلاله تفاصيل خطته التى أجهضت بفعل فاعل وكانت تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح ونجحت فى عام واحد 2004 ــ 2005 فى زراعة ( 3 ) ملايين و (50 ) ألف فدان ، تقلصت فى عام 2005 - 2006 إلى ( 2.2 ) مليون فدان فقط.
لاحظ هنا أن المهندس أحمد الليثى ليس عضوا فى جماعة "كفاية" ولم ينضم حتى الآن إلى جماعة "الإخوان المسلمين" أو إلى أى حزب سياسى معارض لا سمح الله، بل على العكس فهو أحد أركان النظام سابقًا وشغل موقعا سياديا ــ وزير الزراعة ــ لفترة ليست بالقليلة.
أى أن حكومتنا الرشيدة اختارت عن قصد تجويع الناس وكسر رقابهم وامتهان كرامتهم فى طوابير يومية أمام أفران العيش!!
والسؤال: لماذا اختارت حكومتنا الرشيدة هذا الخيار ؟! هل هى وسيلة جديدة لشغل أوقات فراغ ملايين العاطلين، بدلا من الجلوس على المقاهى أو الانخراط مع أصدقاء السوء ؟! .. هل هى محاولة لخفض معدلات الجريمة عن طريق تفريغ الطاقات فى طوابير العيش ؟! .. وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا لا يعلن الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء عن مشروعه القومى الجديد "تفريغ طاقات الشباب فى طوابير العيش"؟!.
أعتقد أن استقالة وزير التموين ــ إذا كان هناك وزارة تموين أصلا ــ لا تكفى بعد أن أصبح الحصول على رغيف العيش مهمة صعبة للغاية ، وأعتقد أيضا أن الدكتور أحمد نظيف مطالب بقراءة بعض كتب التاريخ التى رصدت ثورات الخبز قبل أن يفيق على كارثة.


مكرم ــ نظيف ــ البدل

يوما بعد يوم نسمع عن لقاء مرتقب يجمع بين الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين والدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء .. مرة يقولون إن اللقاء بحضور مجلس النقابة ، ومرة أخرى بدون .. غالبا يعتذر الدكتور نظيف لانشغاله وأحيانا يلتقى بهم .. وفى آخر لقاء يوم الأربعاء الماضى قدم د. نظيف نفس الوعود التى سبق وصرح بها الأستاذ مكرم من قبل.. فهل يفى د. نظيف بوعده هذه المرة؟! لقد أصبح الأمر مستفزا للغاية، خاصة أنه لا يليق بالصحفيين استجداء حقوقهم، ولا يليق بنقيب الصحفيين أن يشحت عليهم !!
أعرف أن الأستاذ مكرم فى موقف لا يحسد عليه فقد وعد جموع الصحفيين قبل إجراء الانتخابات بأيام قليلة برفع بدل التدريب والتكنولوجيا الذى يتقاضاه الصحفيون شهريا من النقابة بزيادة غير مسبوقة تبلغ قيمتها 200 جنيه شهريا.
ولم يكتف الأستاذ مكرم بذلك بل أعلن الحصول على موافقة الحكومة لدعم موارد نقابة الصحفيين ب (10) ملايين جنيه تتوزع على صندوق المعاشات والتكافل ومشروعات الرعاية الصحية والاجتماعية للصحفيين وأسرهم.
وعد الأستاذ مكرم أيضا بتوفير "لاب توب" لكل صحفى يسدد قيمته بالتقسيط المريح مع تخصيص ألف قطعة أرض بالمجتمعات العمرانية الجديدة بتسهيلات كبيرة فى السداد، بخلاف مئات الشقق المدعومة، والحصول على عروض متميزة لتوفير سيارة لكل صحفى يسدد قيمتها على أقساط بسيطة بفائدة بسيطة.
وما زاد الطين بلة أن الأستاذ مكرم أعلن أنه لو فشل فى تحقيق وعوده خلال شهرين سيجتمع بالجمعية العمومية ويبلغها بما تم خلال الشهرين، بل وأكد أنه سيقدم استقالته.
ورغم مرور الأيام والأسابيع وتجاوز المهلة التى اختارها الأستاذ مكرم لنفسه لم نسمع عن تحقق أى وعد من الوعود، ولم نسمع أن الأستاذ مكرم محمد أحمد يفكر فى الاستقالة، حتى أن الكثير من الصحفيين يشعرون بأنهم"اشتروا الترماي"!!.
أنا هنا لا أطالب الأستاذ مكرم بالاستقالة لكن رجائى الوحيد أن يكف نقيب الصحفيين الذى يمثل جموع الصحفيين المصريين عن استعطاف رئيس الوزراء ومطاردته، وهو الأمر الذى نشعر معه بالمرارة .. فالصحفيون المصريون أكبر بكثير من تسول حقوقهم ، ولديهم من الإجراءات ما يجعلهم يحصلون على حقوقهم لو أخلف نظيف وعده.

الأسبوع (11) سنة

في السادسة من مساء السبت الماضي تجمع عدد كبير من الصحفيين والعاملين بــ "الأسبوع" أمام مقرها فى شارع شامبليون .. وفى صحبة انتقلنا جميعا إلى مدينة طنطا لحضور حفل زفاف الزميل أحمد بديوى رئيس الديسك المركزى على الزميلة آلاء حمزة العضو النشط بقسم التحقيقات الصحفية ، ليكون هذا الزواج هو السابع الذى يجمع بين اثنين من الزملاء بالصحيفة.
ويأتي زواج أحمد وآلاء فى ذكرى مرور 11 سنة على ميلاد "الأسبوع" ليؤكد الحالة الخاصة والرائعة التى تميزت بها صحيفتنا عبر مشوارها عن غيرها من الصحف ففضلا عن الروابط الفكرية التى تجمعنا كأسرة واحدة، أفرادها أصحاب توجه وطنى واحد مهما اختلفت رؤاهم، فهناك روابط دم ونسب أضافت كثيرا إلى هذه الأسرة التى نعتز بالانتماء إليها.
ويا لها من لحظات جميلة حينما أتصل بأحد الزملاء ليرد ابنه أو ابنته لأستدعى الذكريات الجميلة ولأكتشف أننا أصبحنا فى"الأسبوع " مجموعة أسر صغيرة ذات علاقات متشابكة تربطنا صلات فكر ودم ونسب .. أبناء زملائنا هم أبناؤنا جميعا .. لن أقول شهدنا لحظات ميلادهم وخروجهم للحياة بل على الأكثر عاصرنا فترات خطوبة آبائهم وأمهاتهم وحضرنا ليالى زفافهم.

السبت، ١٩ يناير ٢٠٠٨

لو كان هنا عبد الناصر !


لو كان هنا عبد الناصر !

بقلم : محمد السيسى

ساقتنى الأقدار إلى منطقة " الرويعى" المشهورة بتجارة الأخشاب ومستلزماتها باحثاً عن ألواح الخشب " الكونتر".
وحتى لا يتصور التجار أننى " زبون" يسهل الضحك عليه!! حاولت فى البداية أن أظهر نفسى وكأننى عالم ببواطن الأمور ، أنواع الخشب وأسعاره معتمدًا على خبرتى السابقة عندما اشتريت لوح " كونتر إندونيسى" منذ 10 سنوات تقريبا، ومستخدمًا بعض العبارات الشعبية وأنا أخاطب البائع .. من عينة " والنبى يا بركة" و "عايز حاجة على مزاجك" إلى آخر هذه العبارات.
توجهت لأحد التجار كبار السن وسألته بثقة شديدة : "والنبى يا بركة .. لوح الكونتر الإندونيسى 18 مللى بكام؟".
فنظر إلى ضاحكاً : "حضرتك عايزه ليه؟! ".
أجبته : " للمكتبة".
سألنى : " كتب ولا تلفزيون؟! ".
قلت : " للكتب.. أنا عايز لوح إندونيسى على مزاجك وقطعه أرفف .. كل رف 30 سم، ولو توصف لى حد أجيب من عنده الحوامل الحديد يبقى كتر خيرك".
فبادرنى : " كل سنة وأنت طيب!! ".
ولأنه لا عيد مسلمين ولا مسيحيين .. قلت له : "وأنت بالصحة والسلامة .. هو خلص ؟! ".
أجابنى : "من زمان .. من سنين!! دلوقتى لوح الكونتر الصينى هو اللى موجود".
لم يعطنى فرصة للتعقيب وقال: " شكلك عايز حاجة مهاودة يقصد رخيصة الثمن عليك وعلى المناصرة هات من هناك حاجة صينى جاهزة .. ولا تتعب نفسك ولا تدور على حوامل ولا نجارين"!!.
شعرت أنه يتكلم بصدق، فتركته متوجها إلى "المناصرة" فى " باب الخلق" أشهر المناطق المصرية لبيع الأثاث.
وفى طريقى من " الرويعى" إلى " المناصرة " عبر ميدان " العتبة "وشارع "محمد على" تعمدت أن أدقق فى كل ما يقابلنى من سلع سواء فى المحلات والأكشاك أو على الأرصفة .. فوجدتها فى معظمها صينية الصنع، بداية من ماكينات الحلاقة والأمشاط وكريم الشعر مرورًا بالأدوات المنزلية والأدوات المدرسية ـــ الأقلام الجاف والرصاص والأوراق ـــ وحتى لعب الأطفال واللبان والبسكويت والأدوات الكهربائية نهاية بالموبايلات وأكسسواراتها.
أى عقلية تلك التى تدير الاقتصاد الصينى؟! وكيف حوّلت هذا العالم إلى سوق كبير لترويج المنتجات الصينية خاصة الوطن العربى وتحديدًا مصر؟! .. لقد فاقت المنتجات الصينية فى مصر كل الحدود والتصورات ، ولم يعد الأمر كما كان من قبل مقصورا على " فوانيس رمضان"و " السبح"و" الولاعات" و" التحف أوالقطع الأثرية المصرية المقلدة" .. لقد تخطى الأمر كل ذلك وأصبحت السلع الصينية تهدد الصناعات المصرية العريقة التى تميزت بها مصر عبر تاريخها ، الموبيليا والمنسوجات على سبيل المثال.
أى عقلية تلك التى تدير الاقتصاد المصرى الذى حوّلت الجميع إلى باعة سريحة للمنتجات الصينية أو فى أفضل الأحوال مندوبى مبيعات صينى؟.. ثم أين هى الصناعة الوطنية؟
وجدتنى أسأل نفسى دون أن أدرى ، خاصة ونحن فى ذكراه التسعين: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟


بعد رحلة " الرويعى"

لم يمر يومان حتى شاهدت برنامج " لقاء الأسبوع" الذى يديره الزميل مصطفى بكرى على قناة " الساعة"..كان ضيف الحلقة "خالد" ابن الزعيم جمال عبد الناصر ووجدت السؤال الذى طرحته على نفسى بعد رحلة " الرويعى ــ المناصرة" مطروحا : ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
وبعيدًا عن تفاصيل الحلقة التى أبكت الكثيرين خاصة عند عرض مشهد الجنازة أكثر من مرة أو مع بكاء بعض البسطاء فى المداخلات على الهواء، أو الدموع التى ترقرقت فى عينى خالد عبد الناصر، استوقفنى السؤال الذى طرحه الزميل مصطفى بكري وتهرّب منه خالد عبد الناصر بأدب وخجل شديدين.
ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟
أجاب خالد: أنا أستاذ فى الهندسة ولا أحب أن أتعامل مع الأسئلة الافتراضية!!
ويبدو أن أدب ابن الزعيم وتواضعه الشديد منعاه من أن يقول .. لو كان هنا عبد الناصر لما تطاولت علينا إسرائيل لهذه الدرجة .. التى أصبح معها قتل المصريين على الحدود أمرًا طبيعياً !! ولما احتلت العراق ولما تمزقت الأمة العربية وضاعت القضية الفلسطينية.
لو كان هنا عبد الناصر .. لما عادت من جديد الرأسمالية الفاجرة التى تحتكر كل شىء وتتوحش يوما بعد يوم ! ولما تحولنا إلى شعب يعيش تحت خط الفقر ، شعب يعمل صباح مساء لصالح فئة بسيطة ــ مجتمع النصف فى المائة ــ ولما سمعنا يوما بعد الآخر عن المنتحرين .. هذا غير لائق اجتماعيا وهذا عاجز عن شراء وجبة عشاء وهذا فشل فى توفير حاجات المدارس ، وهذا لم يجد عملا فرمى نفسه تحت عجلات مترو الأنفاق.
حقيقة وجدتنى أستدعى المواقف التى مررت بها والأخبار التى سمعتها أو قرأت عنها فى الفترة الماضية، ووجدتنى أيضا أطرح بعدها السؤال : ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟!
" الكونجرس يعلق جزءًا من المعونة الأمريكية ".. تذكرت مقولة عبد الناصر "الحرية التى اشتريناها بالدم لن نبيعها بالقمح" ووجدتنى أسأل نفسى: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.
"وزيرة خارجية الكيان الصهيونى تسيبى ليفنى تتطاول على مصر".. تذكرت تصريحات الخارجية المصرية التى قيل إنها قوية، فى الوقت الذى كان طرد السفير الصهيونى أو استدعاء السفير المصرى ــ فى رأيى ــ إجراء لا يتناسب مع الوقاحة الصهيونية .. حقيقة لم أجد غير هذا السؤال لأطرحه: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.
" زيارة الرئيس الأمريكى جورج بوش لمصر، لن تزيد على خمس ساعات" فى حين استغرقت زيارته إلى المملكة العربية السعودية يومين، وهو ما يعنى أن بوش جاء إلى شرم الشيخ فقط ليستجم بعد رحلته الطويلة فى المنطقة العربية.. ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟.


التفاوض على كرسى!!


حتى وأنا أتابع ما ينشر عما أسموه" مفاوضات الوضع النهائى" تذكرت عبد الناصر، الذى تمر ذكراه فى ظروف بالغة الدقة على المستويين المحلى و الخارجى لنجد أنفسنا دون أن ندرى ومع كل موقف نمر به ــ بسيطا كان أو عميقا ــ نتذكر عبد الناصر.
ففى الوقت الذى يعلن فيه الجانبان الفلسطينى والإسرائيلى يوميا عن الأجواء الإيجابية التى تسيطر على مفاوضات الوضع النهائى المتعلقة بمسألة الحدود ووضع القدس واللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات الصهيونية فى الضفة الغربية وموارد المياه و الأمن.. وفى الوقت الذى يظهر فيه الجانبان وعلى وجوههم الابتسامات العريضة لنجاح الجولات التفاوضية، يعيش الشعب الفلسطينى فى الضفة وغزة تحت القصف الصهيونى والاعتداءات المستمرة التى تسفر عن استشهاد العشرات .. ليس هذا فقط بل تعلن حكومة " إيهود أولمرت " أنها خصصت ملايين الدولارات فى ميزانية 2008 لبناء المستوطنات بالضفة الغربية.
وحقيقة لا أدرى على أى شىء يتم التفاوض بين الجانبين ، ولماذا يعلن الجانب الفلسطينى أن الأجواء إيجابية.
والسؤال: هل تتفاوض القيادة الفلسطينية علي " كرسى" أبو مازن فى رام الله؟ أم تطرقت المفاوضات لما هو أكبر من ذلك وناقش الجانبان إشكالية وضع "اليافطة" المكتوب عليها دولة فلسطين التى حصل عليها "فريق أوسلو" قبل أعوام؟!.
ما نعرفه أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" .. وأنه ليس من حق أحد أن يصادر على حق الشعب الفلسطينى فى استرداد أرضه .. وإذا كانت القيادة الفلسطينية ــ لأسباب موضوعية أو لأسباب تخصها ــ غير قادرة على إدارة الصراع بشكل يحفظ الحقوق الفلسطينية الثابتة، فعلى الأقل يجب ألا تكبل الأجيال القادمة باتفاقيات ظالمة لا يترتب عليها أى حقوق للشعب الفلسطينى بل تظهر المقاوم الفلسطينى فيما بعد بمظهر المعتدى.
وجدتنى أسأل نفسي مجددا: ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟!.

عيد الأثريين بالأمريكى !!


كان مستفزا لأقصى درجة حضور السفير الأمريكى ريتشاردونى احتفال الأثريين المصريين بعيدهم الثانى، وحمدت الله أننى لم ألبى الدعوة التى وجهت لى لحضور هذا الاحتفال لأسباب خاصة مع تقديرى لكل المشاركين فى هذه المناسبة (الوطنية) باستثناء هذا المسئول الأمريكى.
المشكلة ليست فى حضور ريتشاردونى فى الوقت الذى يشهد توتر العلاقات (المصرية ــ الأمريكية) فهى كما نعرف "سحابة صيف" سرعان ما تزول كما أن العلاقات المصرية الأمريكية عميقة وممتدة منذ "كامب ديفيد" وحتى الآن!!
لكن السؤال: ما هى علاقة هذا الرجل ممثل الإدارة الأمريكية فى مصر بالآثار المصرية والأثريين وعيدهم؟!.
ولأننى أعرف أن الاحتفال كان بدار الأوبرا المصرية يشارك فيه فقط من وجهت لهم الدعوة ــ لم يكن بأحد مقاهى القاهرة يسهل على أى عابر سبيل المشاركه فيه ــ أسأل: هل هناك نية لإقحام هذا الرجل فى الأعياد الوطنية .. عيد الإعلاميين أو عيد المعلمين مثلا؟!.
أم أن المسألة لها علاقة بالنشاط الأمريكى المكثف والملحوظ فى حقل الآثار المصرية الذى تقوم به الجمعية الجغرافية الأمريكية " الناشيونال جيوجرافيك" و قناة "ديسكفرى" وغيرها ؟! وهو النشاط الذى وضعنا تحته عشرات الخطوط وعلامات الاستفهام والتعجب، وحذرنا منه خاصة مع المحاولات الصهيونية المستميتة لتهويد الحضارة المصرية القديمة؟!.
البعض قال إنها صدفة خير من ألف دعوة رسمية، والبعض قال إنها محاولة من الأثريين المصريين لتلطيف الجو وتنقية الأجواء بين الإدارتين المصرية والأمريكية خاصة أن العلاقة توترت فى الآونة الأخيرة.
ماذا لو كان هنا عبد الناصر؟

جريدة " الأسبوع "

الأحد، ٢ ديسمبر ٢٠٠٧

مبادرة"السادات".. و " سعد الصغير" !!


مبادرة " السادات " .. و " سعد الصغير"!!

بقلم : محمد السيسى


تابعت برنامج " العاشرة مساء" فى الحلقة التى استضافت فيها الإعلامية منى الشاذلى الكاتب الكبير محسن محمد فى ذكرى الزيارة المشئومة التى قام بها الرئيس السادات للكيان الصهيونى ،كما استمعت لاتصالات الجمهور التى كانت فى معظمها تبارك هذه الزيارة وتعتبرها خطوة جريئة وعظيمة تنم عن عبقرية السادات حسب تعبيرات البعض !!
ولا أدرى كيف اعتبر هؤلاء ــ وهم يمثلون بالطبع قطاعاً ليس بقليل من الشعب المصرى ــ زيارة السادات لإسرائيل عمل وطنى عظيم على الرغم من أنها كانت بمثابة وضع حجر الأساس للأوضاع التى نعيشها الآن .. الفقر والضعف وقلة القيمة التى يشعر بها كل مواطن عربى.
والسبب فى رأيى أن الكثيرين يخلطون بين خطاب السادات فى الكنيست الذى بدا خلاله المدافع عن القضايا العربية المتمسك بالحقوق التاريخية، وبين ما جرى بعد ذلك فى المفاوضات وما تم التوقيع عليه فى النهاية .. خاصة وأن الإعلام الحكومى فى فترات طويلة ربط عن عمد بين اتفاقية (السلام) وخطاب الكنيست بشكل جعل من الاثنين شئ واحد فى ذهن الناس.
لقد كانت تنازلات الرئيس الراحل المتتالية بعد توقف الحرب مفاجأة كبيرة للصهاينة والأمريكان قبل المصريين، بداية من اتفاقيات فك الاشتباك فى ١٩٧٥وحتى اتفاقية السلام فى ١٩٧٩.. بل إن السادات بعد تعثر المفاوضات فى مراحلها الأخيرة وإعلانه لمرافقيه أنه ينوى الانسحاب من كامب ديفيد، تبنى تماماً الحل الأمريكى الذى هو بالأساس الحل الصهيونى، حتى أنه خرج للوفد المصرى بعد لقائه بكارتر قائلا "سأوقّع على أى شئ يقترحه الرئيس كارتر دون أن أقرأه"!! ، الأمر الذى دفع محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية للاستقالة.
انسياق السادات وراء مشروع الحل الأمريكى فى كامب ديفيد انسحب بعد ذلك على كل شئ بداية من تخلى مصر عن أمتها العربية مروراً بإعادة تسليح الجيش المصرى بسلاح أمريكى وفتح أبواب الاقتصاد المصرى أمام رؤوس الأموال والسلع الأمريكية والاستجابة لشروط البنك الدولى والقضاء على الصناعة الوطنية، حتى وصلنا للرضوخ التام للإرادة الأمريكية.
ولا أعتقد أن ما وصلت إليه أحوالنا فى مصر وما أصبحت عليه الأمة العربية من المحيط للخليج يمكن تحليله أو فهمه بمعزل عن زيارة السادات المشئومة للقدس.

" أنا بوليس"

الله الله يا بدوى جاب اليسرى
وبوش خلاص لم الأسرة لم الأسرة
مدريد بتفتح فى دراعها
والقدس تشكى بأوجاعها
ومين بقى وياكوا باعها
ومين كمان لم الأجرة؟
***
خلاص خلاص ما احناش لاعبين
الحاوى طلع فى التعابين
شامير بيفتح فى جرابه
وبوش بيظهر أنيابه
وابن العرب كان إيه جابه
يبيع فى مجد صلاح الدين؟!

تذكرت وأنا أتابع أخبار مؤتمر" أنا بوليس"هذه الأبيات التى كنا نرددها ونحن طلاب فى الجامعة أثناء المظاهرات التى تفجرت ولم تتوقف بمجرد الإعلان عن مؤتمر مدريد الذى عقد عام 1991 وأعلن خلاله بدء عملية (السلام) التى انتهت باتفاق إعلان المبادئ المعروف بـ" اتفاق أوسلو"، وهو الاتفاق الذى حصل فيه الفلسطينيون على "يافطة" مكتوب عليها دولة فلسطين فى مقابل الاعتراف العربى الكامل بدولة الكيان الصهيونى.
وحقيقة .. لا أدرى لماذا تذكرت هذه الأبيات ؟!! .. هل لأن (بوش ) هو كلمة السر فى المؤتمرين؟!! أم حزناً على استمرار مسلسل التفريط العربى فى الحقوق التاريخية ؟ أم حزناً على الجامعات المصرية والحركات الطلابية التى كانت دائما تنتفض فى مثل هذه المواقف؟

سعد الصغير ومسجده !!

المبادرة التى قامت بها الدكتورة سعاد صالح أستاذ الفقه بجامعة الأزهر بالتعاون مع الدكتور صبرى عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن فى حضور الإعلامى أحمد عبدون مقدم برنامج "عم يتساءلون" لفك الحصار عن "مسجد سعد الصغير " بشبرا الخيمة مثلت مفاجأة كبيرة بالنسبة لى.
ليس لأن الفقيهين أجازا الصلاة فى " مسجد سعد الصغير " فالمسألة اختلف فيها علماء الدين، ولكن للمبالغة فى الدفاع عن هذا المسجد لدرجة أن يعلن الفقيهان عن قيامهما بإلقاء الدروس الدينية فيه على المصلين.
وكانت ضجة كبيرة قد أثارها إعلان سعد الصغير قبل شهور عن بناء مسجد احتفالًا بنجاح فيلمه "على الطرب بالتلاتة " ونجاح أغنية " بحبك يا حمار" وانتشار الكليب الراقص أو الفاضح مع دينا على الفضائيات، خاصة وأن الدكتور محمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر أصدر فتوى حذر فيها أهالى شبرا الخيمة من الصلاة فى المسجد.
وأرجع د.المسير فتواه إلى أن العلماء اعتبروا المساجد التى تبنى من المال الحرام ( يقصد المكاسب التى حققها سعد الصغير من وراء إفساد الذوق العام بمساعدة دينا الرقاصة) بمنزلة المسجد الضرار الذى بناه المنافقون فى صدر الإسلام لتفريق المسلمين وزرع الفتنة بينهم.
كنت أتمنى أن يكتفى الفقيهان د. سعاد صالح ود. صبرى عبد الرءوف بإعلان رأيهما من الصلاة فى "مسجد سعد الصغير" و الذى سبق أن صرح به البعض قبل شهور دون المبالغة فى موقفهما أو دون أن يأخذ العالمان على عاتقهما جذب أهالى شبرا لــ"مسجد سعد الصغير".

رغيف العيش والقطط!!

مستفز للغاية أن يشاهد ملايين الفقراء ــ من ذوى وصلات الدش ــ الإعلانات التى انتشرت مؤخرا على الفضائيات وتروج لوجبات القطط الفاخرة .. فى الوقت الذى يبحث فيه هؤلاء عن رغيف خبز يسد رمقهم ويحترم آدميتهم ولا يجدون ..يصبح الأمر أكثر استفزازاً عندما تطالعنا الصحف بخبر مقتل موظف غلبان من شبرا الخيمة ــ لاحظ موظف ــ فى طابور العيش وهو ينافس " غلبان" آخر طمعاً فى الحصول على رغيف خبز.

متحف فى كتاب !


"ذاكرة الأمة .. محمود مختار ومتحفه" كتاب جديد للناقد د. صبحى الشارونى، يمثل إضافة للمكتبة العربية حيث يعرض الفنان محمود مختار فى مراحله الفنية المختلفة كما يقدم توصيفًا لأبرز أعماله ذات الصياغة والموضوعات القومية والوطنية والتاريخية.
وكان قد صدر عن مختار كتابان بقلم بدر الدين أبو غازى عامى 1948 و 1964 بالإضافة لعدة كتيبات وكتالوجات عن متحفه، وظل مختار بعيدًا عن اهتمام المؤسسة الرسمية طيلة السنوات الماضية رغم دوره البارز فى التأسيس لفن النحت المصرى المعاصر حتى جاءت مبادرة "الدار المصرية اللبنانية" وقامت بطبع الكتاب.

الأبراج الخرسانية

أرسل المهندس محمد نصير صاحب مشروع " الأبراج الخرسانية"ردًا على ما نشرته تحت عنوان "حاكمونا أو حاكموهم"وأشرت فيه إلى أن منطقة البناء ــ باطن المقطم ــ معرضة للانهيار بشكل مفاجئ بسبب المشروع مما قد يطيح بقلعة محمد على والأسوار الشرقية لقلعة صلاح الدين الأيوبى.
قال الرد أن شركة "مركز القاهرة المالى والسياحى" أوكلت الدراسات الميكانيكية للتربة والجيولوجيا إلى شركة "أردمان ـ آيس" العالمية وهو التقرير الذى اعتمدته هيئة المساحة والجيولوجيا عام 2000 وأكدت أن الموقع صالح لإقامة المشروعات عليه دون أدنى ضرر.
وأضاف الرد : أن اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية بالمجلس الأعلى للآثار قامت بتشكيل لجنة فنية برئاسة د.هانى لطفى ومصطفى الغمراوى اللذان قدما تقريرهما بتاريخ 22/5/2006 وورد فيه أنه لا يوجد أى آثار ضارة من جراء أعمال التنفيذ أو عند اكتمال المشروع على الآثار القريبة.
وأخيرا وبناء على تكليف من اللجنة الوزارية العليا قامت كلية الهندسة وكلية العلوم قسم الدراسات الجيولوجية ــ جامعة عين شمس ــ بعمل دراسة مشتركة استغرقت أكثر من 6 شهور وقدمت تقريرها فى أبريل 2007 والذى يقر بأن إقامة المشروع لن توثر على التكوين الجيولوجى لهضبة المقطم ولن يكون له أى أضرار حالية أو مستقبلية.
انتهى الرد
ونحن إذ نشكر المهندس محمد نصير على اهتمامه والرد نؤكد أن خلافنا معه ينبع من حرصنا على تاريخنا وتراثنا الذى يتعرض للخطر.
بالنسبة لتقرير شركة "أردمان ـ آيس" وما ورد فى الرد بشأن اعتماده من هيئة المساحة والجيولوجيا سنة 2000 فنشير إلى أن التقرير الذى اعتمدنا عليه فى تحديد المخاطر على المنطقة أصدرته أيضا هيئة المساحة والجيولوجيا بعد عام 2000 بسنوات أى أن التقرير الذى اعتمدنا عليه هو الأحدث وجاء بعد أعمال البناء بفترة وقدمه د. خليفة عبد الفتاح خليفة عضو هيئة المساحة وممثلها فى اللجنة الوزارية التى أشار إليها المهندس نصير فى رده، وهو التقرير الذى تم غض البصر عنه رغم إصرار د. خليفة على مناقشته خاصة وأنه حدد بالخرائط أماكن التصدعات والفوالق التى قد تؤدى لانهيار الهضبة.
ولا ندرى لماذا تم تكليف جامعة عين شمس بدراسة الأمر ؟ وإذا كانت هناك انتقائية فلماذا تم اختيار التقرير المتساهل ورفض التقرير المتشدد خاصة وأن الأمر يتعلق بتاريخنا وتراثنا وقلعة صلاح الدين الأيوبى؟!.
أما بالنسبة للجنة الفنية التى شكلت برئاسة د.هانى لطفى ومصطفى الغمراوى وأرسله المهندس محمد نصير ضمن الرد فقالت فى تقريرها أنها لم تدرس التأثير المعمارى والبيئى وطالبت بدراسة هذه التأثيرات من خلال المختصين.
لن نتحدث هنا عن البدء فى المشروع دون موافقة مجلس الآثار ولن نتحدث عن رأى جهاز التنسيق الحضارى الرافض للمشروع أو آراء المعماريين والأثريين التى تؤيد ما نشرناه بل نذكر المهندس نصير بنص تقرير اليونسكو الذى قال:"تود بعثة خبراء اليونسكو أن تؤكد من البداية أن إعطاء تصريح بالبناء للشركة الممولة للمشروع يجب أن يعتبر شيئاً سيئاً بالنسبة للموقع وحجم المشروع الذى سوف يؤدى إلى ردود أفعال جدية ومثيرة للجدل سواء من الناحية الشكلية أو من ناحية التأثيرات الخاصة بالتربة والمنعكس علي القيمة التراثية للمنطقة.. وقد أبلغت البعثة أن موقع البناء هو فى الواقع محجر قديم للحجر الجيرى الذى يجب أن يعد جزءا من محمية أثرية تخضع للقانون الذى يحمى قلعة محمد على وقلعة صلاح الدين سواء كان جزءًا أساسيًا منهما أو جزءا من حرم هذه المجموعات الأثرية".
بقى أن أقول إن سياسة فرض الأمر الواقع لا تليق برجل أعمال وطنى ولا تليق بقلعة صلاح الدين الأيوبى.

جريدة " الأسبوع "

السبت، ٣ نوفمبر ٢٠٠٧

الخيانة " وجهة نظر " !!

الخيانة .. "وجهة نظر" !!

بقلم : محمد السيسى

إلي أين نحن ذاهبون؟
سؤال قد يبدو معادا .. نسمعه ونطرحه مع كل موقف نمّر به .. نسأله احتجاجا أو تعليقا على اختلال المعايير وانتشار الفساد بكافة مظاهره.
إلى أين نحن ذاهبون؟
منذ زمن نلمس اختفاء حالة الود التي كانت تميزنا عن غيرنا من الشعوب، نتشاجر لأتفه الأسباب، نغضب لأشياء لم تكن تغضبنا من قبل .. انظر إلي وجوه الناس في الشارع تجدها متجهمة، متحفزة، قلقة .. العيون زائغة .. حالة أشبه بالتوهان .. شباب يمشون مشي الكهول .. منكسى الرءوس .. منهم من يكلم نفسه .. ومنهم من يصطدم بمن يقابله .. تشعر وكأنهم مخدرون.
تفاصيل نعيشها جميعا .. تزعج البعض، والبعض الآخر يتعامل معها باعتبارها أمرا واقعا وطبيعيا نتيجة الإحباط الذي أصبح في حياتنا كالماء والهواء !! لكن الأمور تزداد تعقيدا لتتجاوز الإحباط وتتحول شيئا فشيئا إلي فتور فى العلاقة بين المواطن والوطن .. أو بالأحرى غياب الانتماء، خاصة مع تفاقم الأوضاع وغياب الأمل في التغيير.
ولا ندري حقا إلي أين نحن ذاهبون بعد أن أصبح غياب الانتماء مرضا خطيرا يداهمنا جميعا بل وتمكن من كثيرين!!
لقد اتضحت الصورة أكثر وبدت أعراض غياب الانتماء واضحة مع الحلقة الأخيرة من برنامج " الحقيقة " الذي يقدمه الزميل الصحفي وائل الإبراشى التي ناقش خلالها كارثة وجود 22 ألف مصري أعتقد أن الرقم أكبر بكثير داخل الكيان الصهيوني، منهم من تزوج من يهوديات" إسرائيليات "وحمل الجنسية الإسرائيلية وتنازل عن الجنسية المصرية!!!.
تابعت باهتمام بالغ كلمات بعض هؤلاء خاصة أنني لم أستمع لأحدهم من قبل، بل ولم أتوقع علي الإطلاق أن أستمع لصوت واحد منهم مدافعا عن جريمته معتبرا ما فعله أمرا طبيعيا، فقط كنت أتابع بحسرة شديدة أخبارهم علي صفحات الجرائد وبين الإحصائيات الرسمية المعلنة.
حقيقة .. صدمتني إلي حد كبير كلماتهم المتعالية المتعجرفة التي وصلت في أحيان كثيرة إلي البجاحة وقلة الأدب .. يروون تفاصيل الخيانة، وكأنهم يروون قصص كفاح!!
لقد أصبح للمصريين رابطة هناك أطلقوا عليها " رابطة المصريين في إسرائيل" يقول رئيسها شكري الشاذلي غير نادم إنه لم يشاهد مصر منذ 8 سنوات وأن لديه أربع بنات من زوجته التي تنتمي إلي عرب48، ويشير إلي أن هناك ما يقرب من 22 ألف مصري يقيمون في إسرائيل منهم 5700 متزوجون ولديهم إقامة وكثيرون يحملون الجنسية الإسرائيلية !!.
ويضيف الشاذلي : ( العرب للأسف لا يفهمون طبيعة المجتمع" الإسرائيلي ".. فأنا أعيش علي أرض " إسرائيل" ولا أشعر بأي غربة : فهى أرض عربية ترجع لأجدادنا .. .... ويستكمل : لقد آن الأوان لتغيير الصورة الجاهلة المترسخة لدي البعض فأنا وعلي مدي إقامتي لا أشعر بأي غربة وأشعر بأنني أعيش في بلد عربي، وهناك قري عربية بأكملها تعيش داخل" إسرائيل " ولا تجد أية مشكلة )!!!.
ويرد علي اتهامات الحضور بالخيانة قائلا بكل صلف : ( أي خيانة؟! .. فكل المقيمين في " إسرائيل " هم أبناء الوطن العربي ويسعون بكل جدية لتغيير نظرة العرب لــ"إسرائيل" وتغيير صورة العربي لدي " إسرائيل" )!!.
علي هذا النهج سار كل المتحدثين عبر الهاتف من داخل" إسرائيل " خاصة (محمد المصري ) الذي تحدث بحمية شديدة وقلة أدب متناهية.
بالطبع لن أناقش ما قاله هؤلاء ولن أتحدث عن المجازر اليومية التي يتعرض لها الشعب العربي في فلسطين، ولن أتحدث عن طبيعة الكيان الصهيوني الاستيطاني التوسعي الذي يطمع في تكوين دولته من النيل للفرات، ولن أذكٌر بضحايا الصراع المستمر منذ أكثر من 55 عاما أو جدوى الاتفاقيات بين مصر وإسرائيل التي يعترف قادة الكيان الصهيوني أنها مجرد هدنة قصيرة مهما طالت، كما أنني لن أبحث لهؤلاء الخونة عن مبرر: فالخيانة لا يمكن مناقشتها أو تبريرها .. فالمرأة التي تبيع شرفها تجد لنفسها المبررات ، وخائن الوطن يبرر لنفسه الخيانة .. والصراع العربي الصهيوني مليء بقصص العرب الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم ووجدوا لأنفسهم عشرات المبررات .. لكني ذكرت بعض ما جاء علي لسان رئيس الرابطة، فقط لأوضح حجم الكارثة التي نعيشها.
لقد كان مجرد التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة يعاقب عليها الضمير العربي، أما الآن فالتنازل عن الجنسية المصرية و التجنس بجنسية العدو الإسرائيلي بات وجهة نظر وأمرا له مبرره عند الآلاف.
لقد ذكر تقرير صادر من المخابرات العسكرية الإسرائيلية، أن عدد العرب العاملين بالجيش " الإسرائيلي" زاد بنسبة 20٪ علي العام الماضي، وهؤلاء يحملون جنسيات دول عربية ويعملون سائقين وناقلي بضائع، أما عدد العمال المصريين فيمثل 13٪ من نسبة العمالة المدنية بالجيش " الإسرائيلي " وهو رقم مخيف، يليهم الأردنيون!!.
ألا يستحق الأمر أن نتوقف قليلا لنسأل: من قتل الانتماء داخل آلاف المصريين؟!
وإلي أين نحن ذاهبون؟!

مقاومة التطبيع بالسفر إلي " إسرائيل"

لم يمر أسبوع علي برنامج " الحقيقة " حتي نشرت الزميلة " البديل" حوارا مع نادية كامل مخرجة الفيلم التسجيلي " سلطة بلدي " الذي تم تصويره علي مدي خمس سنوات بين القاهرة وإيطاليا والأرجنتين و " إسرائيل " وتسجل خلاله لقاءاتها بأفراد عائلتها الموزعة بين الدول الثلاث و" إسرائيل ".
المثير في الأمر ليس فقط سفر المخرجة ووالديها الكاتبين " نائلة كامل " و " سعد كامل " إلي " إسرائيل" لكن في تبريراتها الواهية و" المضحكة " أحيانا.
فقد وصفت سفرها إلي الكيان الصهيوني بأنه محاولة للوقوف ضد ظلم وجدته داخل بيتها فأمها الكاتبة " نائلة كامل " حرمت من زيارة عائلتها التي هاجرت لــ"إسرائيل" منذ الأربعينيات.
وتمضي المخرجة في سرد تفاصيل مأساتها المروعة !!: ( وهناك سبب آخر دفعني لهذه الرحلة الشائكة ألا وهو أنني اعتدت دوما التفاخر بالتنوع في جذوري وجدي لأمي يهودي الديانة ولكن مع مرور الوقت صرت أجد صعوبة في رواية تلك القصة إلي المحيطين بي ولم يعد بإمكاني الفخر بتنوع جذوري وبدا أنني اعتذر عن تلك الجذور عوضا عن الفخر بها).
المضحك أن المخرجة المصرية تقول إنها سافرت إلي " إسرائيل " لمقاومة التطبيع!! بل وعرٌفت التطبيع قائلة : ( التطبيع وفقا لمفهومي هو " الاستندال" أو اتخاذ موقف المتفرج من ظلم أراه واقعا علي شخص آخر لمجرد أن لي مصالح معينة قد يضرها الوقوف إلي جانبه ).
وتستمر المخرجة في سك العبارات الرنانة في الدفاع عن فيلمها من عينة ( الفيلم وسيلة لإثبات أنه لا يوجد تعارض بين مبادئ الفرد وإنسانيته ) و ( كسر التصور الذاهب إلي أن الإنسان صاحب المبادئ هو شخص متجرد من إنسانيته ).
نأتي للفيلم الذي اعتبرته المخرجة صرخة في وجه الاحتلال فلم يتطرق إلا علي استحياء إلي الصراع العربي الصهيوني ومعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، فالوجوه الفلسطينية التي ظهرت في الفيلم قليلة جدا بالمقارنة بالعائلة " الإسرائيلية " التي ينتمي إليها ابن العم عضو إحدى العصابات الصهيونية التي عاشت في القاهرة وفق اعترافاته.
والمعاناة الفلسطينية التي تتحدث المخرجة عن اظهارها لا تتجاوز دقيقة من زمن الفيلم مقابل ما يزيد علي ٥٣ دقيقة قضتها مع العائلة الإسرائيلية.
الفيلم أيضا يظهر تفتيش الفلسطينيين علي المعابر الصهيونية كقدر وأمر واقع من الطبيعي أن يكون موجودا وينفي التصرفات غير الإنسانية للشرطة " الإسرائيلية " علي المعابر حيث يظهر الجندي الصهيوني الوديع أمام الحاجز يناشد المخرجة عدم استخدام الكاميرا!!
أما السيدتان الفلسطينيتان في الفيلم فتدعوان إلي تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني و إيقاف المقاطعة لأن هذا سيضمن الدفاع عن القضية الفلسطينية و إيقاف العزلة المفروضة علي الفلسطينيين علي حد قولهما .. وتطالب إحداهما بمنح الجنسية المصرية للفلسطينيين مساواة بغيرهم.
بقي أن نقول إن المخرجة كانت موفقة إلي حد كبير في اختيار اسم الفيلم ( سلطة)..

الملك فاروق

هل حقا تعاطف المصريون مع الملك فاروق؟!!
أشخاص مرموقون ..أعرفهم جيدا، وأعرف أصولهم .. وأعلم تماما أنه لولا ثورة يوليو لكانوا الآن باعة جائلين يسرحون بمناديل و " فلايات " في الأتوبيسات وعلي المقاهي، انفعلوا بمسلسل الملك فاروق وتعاطفوا معه بل وترحموا علي ذلك العصر، وصبوا جام غضبهم علي الحقبة الناصرية التي شوهت عصر الملكية.
لكن هل هو تعاطف حقيقي أم وجه من وجوه الإحباط الذي نعانيه؟! وهنا أود أن أشير فقط لأمرين خاصة أن القضية قتلت بحثا وكانت مثار حديث العامة والخاصة أثناء وبعد عرض المسلسل أولهما : أن ما حدث في رأيي ليس تعاطفا مع ملك ضعيف ــ دمية في يد الاحتلال وفاسد و قمارتى.. يطارد النساء في الكباريهات ــ بل هو في واقع الأمر تعاطف ضد النظام الحالي.
الأمر الآخر أن الهجوم علي الملك فاروق لم يبدأ كما يعتقد البعض مع قيام ثورة يوليو (المتهمة زورا بتشويه عصر الملكية) : فالشعب المصري عاش الجهل والفقر والمرض وعاني تحكم طبقة النصف في المائة بل وهتف المصريون قبل قيام الثورة بسنوات وسنوات مطالبين بسقوط الملك فؤاد ومن بعده فاروق بنفس الحماسة التي هتفوا بها مطالبين بجلاء الاحتلال الإنجليزى عن مصر .. بل إن حزب الوفد لم يكتسب شعبيته الجارفة في هذا الزمن إلا بعدائه للقصر الملكي.

حاكمونا أو حاكموهم

كتبت منذ عدة أسابيع عن تقرير خطير صادر من هيئة المساحة والجيولوجيا يقول إن منطقة باطن المقطم التي يجري عليها بناء الأبراج الخرسانية معرضة للانهيار بشكل مفاجئ حيث توجد بها صدوع وفوالق وتسرب للمياه، مما قد يطيح في سنوات قليلة بقلعة محمد علي والأسوار الشرقية لقلعة صلاح الدين.
وتساءلت : لماذا الإصرار علي مشروع يمثل خطرا بالغا علي آثارنا وتراثنا بل ويهدد حياة الآلاف ؟!
لكن للأسف لم يتحرك أحد رغم خطورة التقرير ولم يخرج مسئول واحد ليرد علي ما نشر، أو ينفي حتي وجود التقرير من الأساس ويكذبنا ويتهمنا بإثارة الرأي العام.
هل ينتظرون حتي نستيقظ في يوم ما علي كارثة؟!
إلي هذه الدرجة هان علينا تراثنا وتاريخنا وماضينا ومستقبلنا؟!!


جريدة " الأسبوع "