"القميص أبو ترتر" .. وقانون الطفل !!
بقلم : محمد السيسى
كانت مظاهرها تصدمنا في البيوت و الشوارع والمدارس والجامعات ومحلات الوجبات السريعة.. الفتيات يسرن شبه عاريات بل ويتفنن في العرى، شبابنا.. رجال المستقبل وصانعوه يرتدون ــ دون خجل ــ ملابس البنات الــ " تى شيرت" المشغول ــ "أبو ترتر" ــ والمزركش بالألوان الزاهية الحمراء والخضراء والموف والبنفسجى.. ناهيك عن البنطلون (الرجالى) الساقط حتى آخر فقرة فى الظهر، أو الرسومات والعبارات الجنسية الفجة المكتوبة على ملابس الكثير من الشباب.
وقفنا متفرجين أمام عمليات غسيل المخ ومحو الهوية، نستقبل تحذيرات المثقفين الوطنيين بضرورة التمسك بالهوية ومقاومة الذوبان فى الثقافة الأمريكية ببلاهة وسلبية.
ها هى العولمة تنتقل من قاعات الندوات والمؤتمرات وأروقة المقاهى الثقافية إلي الشوارع والبيوت.. تداهمنا عن قرب يوما بعد الآخر، نكتشف حقيقتها مع تطبيقها القهري على شعوبنا المستضعفة.
الآن تتم ترجمتها إلى قوانين وتشريعات جديدة أو بالأحرى "مستوردة" .. قانون الطفل .. قانون المرأة .. " قانون حماية الشواذ" قريبا إن شاء الله.. كلها قوانين غريبة على مجتمعنا تنطلق من البروتوكولات والمعاهدات الموقعة بين طرف ضعيف لا يملك من أمره شيئا وطرف أقوى يملك فى يده كل شئ.
على هذه الأرضية تابعت قضية " قانون الطفل الجديد" وردود الفعل التى أعقبت الحديث عنه ــ أثناء مناقشته وبعد خروجه من مجلس الشورى تمهيدا لفرضه ــ فوجدتنى أمام فريقين: الأول: يؤكد أن القانون خطوة حضارية مهمة لاستكمال مسيرة "الإصلاح الاجتماعى"! مستندا إلى وجود مشكلات اجتماعية عديدة أصابت المجتمع المصرى.
ولا يجد أصحاب هذا الفريق أدنى مشكلة فى استيراد النصوص الغربية التى لا تراعى ظروف المجتمع الشرقى واحتياجاته، وأبرزها البند الذى يتيح للأبناء إبلاغ الشرطة إذا ما تعرض الطفل للاعتداء من أحد والديه، ويجرم الجيران الذين لا يبلغون عن هذه الوقائع، بل يرى هؤلاء أن تحريض الأطفال والشباب والأبناء على آبائهم أمر ضرورى لوقف ضرب الآباء للأبناء!!.
ويدافع هؤلاء عن رفع سن الطفولة إلى 18 عاما و بالتالى سن الزواج إلى نفس السن، وغيرها من البنود المستوردة من الاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر.
أما الفريق الثانى ــ وأنا منه ــ فيرفض القانون جملة وتفصيلا.. ليس فقط لأنه يضم بنودا أمريكية خالصة ولكن لأنه يمثل بالنسبة لى الخط الفاصل بين الإصلاح على أرضية وطنية مصرية عربية والإصلاح "المستورد" وفق أجندة تساهم فى محو الهوية وتدفعنا نحو الذوبان فى الذات الأمريكية.
الخلاف بين الفريقين ليس خلافا على بنود قانون أو قضية بعينها مطروحة للمناقشة بل هو خلاف على طريقة التعاطى مع "العولمة" وفرض ثقافة الأقوى ومدى التمسك بهويتنا الثقافية والدينية فى مواجهة عمليات أمركة المنطقة العربية.
وأعتقد أنه فى الكثير من القضايا الاجتماعية أو السياسية التى تطفو على السطح نجد أنفسنا أمام نفس الفريقين.. فريق منبهر بكل ما هو أمريكى حتى وإن كان لا يتناسب مع قيم ومبادئ المجتمع وعاداته وتقاليده، تبهره العبارات الرنانة ومظاهر التحضر الشكلية.. وفريق آخر رافض لسياسة "التنميط" التى تفرضها الدول الكبرى عبر الاتفاقيات والمعاهدات أو المواثيق الدولية التى تساق دول العالم الثالث للتوقيع عليها.
أنا ضد العنف بكافة أشكاله.. ولا أعتقد أن أحدا يقبل أن تمر عمليات التعذيب البدنى التى يقوم بها بعض الأزواج ضد زوجاتهم أو الآباء ضد أبنائهم دون عقاب.. لكن فى المقابل هذه التجاوزات نظمها القانون ووضع عقوبات مشددة لمرتكبها .. فما هو الداعى لسن تشريعات جديدة؟!
أعرف أن هناك آباء لا يعرفون عن التربية سوى الكى بالنار والضرب بالعصا.. وأعرف أن لدينا مشكلات اجتماعية كثيرة، لكن البحث عن حل هذه المشكلات المتوارثة فى سلة القوانين الأمريكية لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا خاصة أن أى قانون يتعارض مع العادات والتقاليد والثقافة أو الشريعة سيتم التحايل عليه بما يشكل خطورة أكبر على الأطفال فيما بعد كما يحدث مع ختان الإناث الذى انتقلت عملياته من المستشفيات والمراكز الطبية إلى الشقق المغلقة!!.
بقى أن أقول: إن انتصار أى فريق على الآخر مرهون بمدى تمسكنا بديننا وثقافتنا.. مرهون بمدى مقاومتنا لمحاولات طمس الهوية وفرض الثقافة الغربية على مجتمعاتنا الشرقية.. مرهون بمدى مقاومتنا لأنماط الثقافة الأمريكية.
مواجهة هذا القانون وغيره من القوانين المستوردة تبدأ بمقاطعة الوجبات والسلع الاستهلاكية الأمريكية، والملابس العارية الضيقة "الساقطة" و"القميص أبو ترتر" والمواقع الإلكترونية الإباحية والفضائيات التى تستهدف تسطيح عقول أبنائنا وتهميش وعيهم واستنزاف طاقاتهم وتحويلهم عن القضايا المصيرية المهمة.
تصدير الغاز لـ "إسرائيل"!!
حقيقة لا أدرى لماذا اختارت مصر الغاز الطبيعى تحديدا لتقديمه إلى "إسرائيل" في عيد ميلادها الستين؟!!
أعتقد أن القرار المصرى بالسماح بتصدير الغاز لــ "إسرائيل" لم يخضع للدراسات الكافية وجاء متسرعا إلى حد كبير!!.. بالطبع أنا لا أقصد مطلقا أن وجود خط أنابيب ممتد من غرب سيناء إلى شرقها، وصولا إلى "إسرائيل" يمثل خطرا أمنيا كبيرا على مصر.. أو أنه سيكون بمثابة مسمار جحا جديدا لا سمح الله.. أو أنه يمثل استفزازا لمشاعر الغالبية العظمى، فهذه أمور تافهة ويجب ألا تشكل عائقا أمام فتح آفاق جديدة للتصدير!!.
لكن لو فكر السادة المسئولون ثوانى لكانوا اختاروا هدية أخرى!!، فهم لا يفوتون فرصة أو مناسبة أو لقاء صحفيا أو تليفزيونيا إلا وتغنوا بدعم الوقود فى مصر، وتحمل الحكومة الرشيدة الخسائر الباهظة لتوصيل الوقود للمصريين بسعر مدعم، فكيف سيقوم السادة المسئولون بعد ذلك بمعايرة الشعب المصرى بتوفير الوقود المدعم بعد أن قدموه للشعب "الإسرائيلى" بربع ثمنه العالمى؟!!
أعتقد لو فكر السادة المسئولون قليلا لاختاروا هدية أخرى غير مدعومة تسمح لهم بــ "سم بدنا" ومعايرتنا كل يوم، كالحديد مثلا.. فلماذا لا تقدم مصر حديد التسليح هدية للشعب "الإسرائيلى" فى عيد ميلاده الستين؟!!.. فإذا كان الصهاينة فى حاجة للوقود لقمع الشعب الفلسطينى، وتحريك الدبابات والآلات العسكرية لإرهاب مصر وسوريا ولبنان وإيران .. فهم أيضا بحاجة شديدة للحديد لبناء المزيد من المستوطنات والجدران العازلة!!.
شعبية الإخوان !!
جاء إضراب 4 مايو على عكس المتوقع تماما .. بدت الحياة طبيعية فى مختلف المدن المصرية .. فتحت المحلات التجارية أبوابها منذ الصباح.. لم تختلف شوارع القاهرة كثيرا يوم الأحد، باستثناء التواجد الأمنى المكثف الذى يكشف دوما عن حالة الهلع التى تنتاب أجهزة الدولة مع أى اعتصام أو مظاهرة أو حتى دعوة للإضراب والبقاء بالبيوت.
على عكس العادة خرجت من البيت مبكرا وقبل مواعيد العمل بوقت كاف يسمح لى بالتجول فى شوارع القاهرة.. كنت مشغولا هذه المرة بالإضراب ونتائجه، خاصة بعد إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن مشاركتها ومؤازرتها للدعوة التى أطلقها عدد من نشطاء شبكة الإنترنت على موقع "الفيس بوك".
كنت حريصا على متابعة الإضراب ذى الصبغة الإخوانية وحقيقة وجود هذا التنظيم فى الشارع، خاصة أنهم لا يملَّون المبالغة الشديدة فى شعبيتهم وقدراتهم على الحشد والتأثير.
هذه المبالغة التى أصبحت بفعل الإلحاح والتكرار أمرا واقعا و(حقيقة) يؤمن بها الكثير من الناس وبعض القوى السياسية، والسياسيون الذين يهرولون وراء عقد الصفقات مع الإخوان بحثا عن الشعبية!!.
الغريب أن كثيرين ممن وقعوا تحت تأثير المبالغات "الإخوانية" لم يصدقوا ما حدث، حتى إن أحد الناشطين السياسيين قال عقب فشل الإضراب إن الإخوان أعلنوا مشاركتهم ولم يشاركوا في آخر لحظة خشية رد فعل الدولة!!!.
على جانب آخر ورغم فشل الإضراب فى تحقيق أهدافه إلا انه نجح ــ فى رأيى ــ فى التأكيد على مجموعة من الحقائق:
- أجهزة الأمن ساهمت إلى حد كبير فى نجاح إضراب 6 أبريل بإجراءاتها العصبية وبياناتها التى سببت حالة من الرعب عند الناس دفعتهم للبقاء بالمنازل، وهو نفس السبب الذى ساهم فى نجاح الإضراب فى المحلة يوم 4 مايو.
- الدولة المصرية مصابة بالهلع من رد فعل الشارع، خاصة أن أجهزتها المختلفة ترصد حالة من الغضب كامنة فى الصدور نتيجة الأوضاع المعيشية السيئة وهى حالة تنذر بالانفجار من وقت لآخر ، لكن للأسف يتم التعامل مع الأمر بفكر أمنى خالص.
- الأخطر أن الناس فقدت الثقة فى كل التنظيمات السياسية الموجودة على الساحة بداية من الحزب الوطنى مرورا بأحزاب المعارضة، وحتى التنظيمات الأخرى كتنظيم الإخوان المسلمين وكفاية وغيرهما.
لقد بدا واضحا من إحجام الناس عن المشاركة فى إضراب ٤ مايو أن الشعب المصرى مازال يحتفظ لنفسه بحق الرد على عمليات التجويع التى تمارس ضده.. أعرف أن البلد انقسم إلى فئتين: فئة تملك كل شىء لا ترغب فى التغيير، وفئة لا تملك أى شىء غير قادرة على التغيير، لكن مخطئ من يتصور أن الأوضاع ستظل على ما هى عليه، فالجوع أكبر محرك للشعوب، والظروف كلها تدفع بالناس إلى أحد طريقين: إما الانتحار وإما الانتقام.. الانفجار القادم.. قادم.. ولن يبقى على أحد.
جريدة " الأسبوع "
السبت 10 مايو 2008
هناك تعليق واحد:
ما رد فعل الصحفين تجاه الخصخصة والمهتمين بذلك الموضوع..محمودحسن مفصول من المصرية للاتصالات ومعاش حاليا مبكر.
إرسال تعليق