الاثنين، ٢٦ يونيو ٢٠٠٦

المسئولون يرفعون "الراية البيضا" أمام أبراج القلعة الخرسانية !!


حتى الآن لم يعلن وزير الثقافة موقفه

المسئولون يرفعون "الراية البيضا" أمام أبراج القلعة الخرسانية!!


مـحمدالسيسى

هل سيأتي الوقت الذي نقول فيه "كانت هنا قلعة صلاح الدين الأيوبى"؟!!
كل المؤشرات تؤكد أن السادة المسئولين رفعوا "الراية البيضا" أمام أبراج نصير الخرسانية التي تخترق القلعة التاريخية وتهددها بالانهيار!!.. فقد اكتفوا بإرسال الخطابات والمكاتبات وتداولوها فيما بينهم، فقط كتبوا عليها "عاجل جدًا" و"مهم للغاية" دون تحرك حقيقي لوقف المهزلة، وكأنهم يبرئون ساحتهم من الكارثة ويسددون أوراقهم للحفاظ علي مستقبلهم الوظيفي!
لقد وقف الدكتور عبد الله كامل رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية ـ صاحب الفضل في إثارة القضية ـ ومن خلفه مسئولو المجلس الأعلى للآثار مكتوفي الأيدي أمام جبروت المال وسطوة رجال الأعمال، فمازالت البلدوزرات تعمل والمعدات الثقيلة تحفر علي عمق ٥٢ مترًا والبناء مستمرًا علي أرض القلعة التاريخية!
لكن هل قلعة صلاح الدين الأيوبي ملك السادة المسئولين يتخاذلون في حمايتها ويتركونها فريسة لرجال الأعمال يعبثون بها كيفما شاءوا ؟! وهل "مصمصة الشفايف" كافية لحماية أقدم منظومة دفاعية في مصر الإسلامية و إنقاذها من التدمير؟! .
كانت "الأسبوع" قد نشرت في عددها الماضي تحقيقًا بعنوان "هل ينجح رجل الأعمال فيما فشلت فيه الحملات الصليبية.. ناطحات السحاب تهدد قلعة صلاح الدين بالانهيار" كشفت فيه تفاصيل وأبعاد كارثة اقتحام شركة "مركز القاهرة المالي والسياحي بالمقطم" لمنطقة القلعة التاريخية وقيامها بتكسير الهضبة وتسويتها بالأرض والحفر علي عمق 25 مترًا لبناء أربعة أبراج خرسانية (مول تجاري وبرج إداري وآخر سكني وبورصة).. وحذرنا من خطورة ذلك علي منطقة القلعة وطالبنا بابتعاد أصحاب المال والأعمال عن المغامرة بتاريخنا وحضارتنا.
توقعنا بعد النشر أن تنقلب الدنيا رأسًا علي عقب ، وأن يتحرك السادة المسئولون لوقف المشروع وأن تنتقل الأجهزة المعنية لموقع البناء وأن ينظم فاروق حسني وزير الثقافة مؤتمرًا صحفيًا يوضح فيه الإجراءات التي تم اتخاذها لحماية التاريخ والحضارة، لكن ـ للأسف ـ توقف العمل لمدة يومين فقط وعادت بعدها المعدات الثقيلة لتمارس بحرية كاملة تعديها علي المنطقة الأثرية والقانون، ويبدو أن أصحاب المشروع توقفوا لإعادة ترتيب أوراقهم ليعودوا مرة أخري أقوي من ذي قبل خاصة بعد اقتصار رد الفعل الرسمي علي الشجب والتنديد.
المثير في الأمر أنه رغم التقرير العلمي الذي أعدته لجنة الدكتور عبد الله كامل وحذرت فيه من خطورة مشروع الأبراج الخرسانية ورغم اعتراض اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية واتخاذها قرارًا بوقف أعمال البناء وإرساله إلي كل الجهات المعنية بداية برئيس حي الخليفة والمقطم ومرورًا بشرطة السياحة ومباحث الآثار، ونهاية باللواء أحمد السيد سكرتير عام المحافظة والدكتور عبد العظيم وزير محافظ القاهرة مازال العمل قائمًا، ويقف أصحاب المشروع فوق أعلي نقطة في القاهرة يخرجون لسانهم للجميع!
والسؤال: من يقف وراء الأبراج الخرسانية الجديدة التي تخترق المدينة التاريخية والقانون والأعراف الدولية؟
وما هو مدلول اللافتة التي تم وضعها أمام المشروع وتقول "هذا المبني هبة للحكومة المصرية"؟!
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا غزت الحملات الإعلانية المكثفة القنوات الفضائية لتسويق الأبراج؟!
وهل حقًا هناك 30 شركة عربية وأجنبية تساهم في المشروع وتدعمه بقوة لذلك وقف الجميع عاجزين أمام هذه المهزلة؟
ثم ما هي جنسيات الشركات الأجنبية؟ وهل من بينها شركات إسرائيلية؟! أليس من حقنا معرفة لمصلحة من يتم تدمير قلعة صلاح الدين الأيوبي وطمس هوية القاهرة الإسلامية، وهل هناك علاقة بين الأبراج الخرسانية الجديدة والحملات الصليبية الجديدة التي أعلنها بوش من قبل؟!
وهل تضيع القلعة علي مكاتب السادة المسئولين؟
واهمٌ من يتصور أن قلعة صلاح الدين فريسة سهلة للمغامرين والمتاجرين بالتاريخ والحضارة فالمصريون الذين أوقفوا مشروع الطريق الدائري ـ وهو مشروع قومى ـ لخطورته علي أهرامات الجيزة، قادرون علي وقف مشروع الأبراج الجديدة - وهو مشروع خاص - لحماية رمز القاهرة الإسلامية.
فقد أعلن الأثريون والمواطنون العاديون ـ عبر هاتف جريدة "الأسبوع" الذي لم يتوقف عن الرنين عقب نشر الموضوع ـ عن وقوفهم كدروع بشرية أمام بلدوزرات محمد نصير للحيلولة بينها وبين تدمير منطقة القلعة التاريخية وطمس هويتها الإسلامية، وعلي رأس هؤلاء الدكتور علي حسن الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الذي قال بحماس شديد: " سأقف درعا بشريا فى مواجهة المعدات الثقيلة التى غزت حرم قلعة صلاح الدين الأيوبى وسأختتم حياتى الأثرية فى القلعة مدافعا عنها ضد كل من يحاول المساس بها وأعتقد أن الكثيرين سيفعلون ذلك دفاعا عن تاريخهم وحضارتهم الإسلامية " .
وأضاف: البناء فى حرم المناطق الأثرية يعد جريمة، وعندما نتكلم عن البناء في حرم القلعة فنحن أمام جريمة أعظم يجب الوقوف أمامها بكل قوة.. فهل ضاقت الأرض المصرية برجال الأعمال وهم الذين يعبثون بها شمالا وجنوبًا ولم يجدوا غير حرم القلعة للبناء فيه ؟! لقد وقفنا فى الماضى ضد بناء متحف للآثار الإسلامية بالقلعة وأصدرت وقتها قرارا ببناء المتحف بمدينة الفسطاط فهل نسمح ببناء أبراج خرسانية تشوه بانوراما المنطقة وتهدد القلعة بالانهيار؟!.. يجب وقف البناء تمامًا وإزالة التعديات، وأنا أطالب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور زاهي حواس بعمل مؤتمر صحفي في موقع البناء بعد إزالة التعديات تمامًا ليطمئن الرأي العام علي تاريخنا وحضارتنا .
علي الجانب الآخر يستعد مجموعة من الأثريين وبعض المهتمين بالتراث للتقدم ببلاغ إلي النائب العام ورفع دعوي قضائية أمام القضاء الإداري يختصمون فيها محافظة القاهرة خاصة أنها منحت شركة " مركز القاهرة المالى والسياحى بالمقطم " ترخيصا بالبناء سنة ٢٠٠٢ وجددته في مايو 2005 دون موافقة مجلس الآثار وهو ما يجعله ترخيصا باطلا يجب وقفه وإزالة ما ترتب عليه من مبان .
ويستند هؤلاء إلي المادة (20) من القانون117 لسنة 83 التى تقول "لا يجوز منح رخص البناء فى المواقع أو الأراضى الأثرية ويجظر على الغير إقامة منشآت أو مدافن أو شق قنوات أو إعداد طرق أو الزراعة فيها أو فى المنافع العامة للآثار أو الأراضى الداخلة ضمن خطوط التجميل المعتمدة كما لا يجوز غرس أشجار بها أو رفع أنقاض أو أخذ أتربة أو رمال أو إجراء غير ذلك من الأعمال التي يترتب عليها تغيير في معالم هذه المواقع والأراضي إلا بترخيص من الهيئة ـ هيئة الآثار ـ وتحت إشرافها".
"و يسرى حكم الفقرة السابقة كما تقول المادة 20 علي الأراضي المتاخمة التي تقع خارج نطاق المواقع المشار إليها في الفقرة السابقة التي تمتد حتي مسافة ثلاثة كيلو مترات في المناطق المأهولة ويجوز بقرار من الوزير المختص بشئون الثقافة تطبيق هذه المادة علي الأراضي التي يتبين للهيئة بناء علي الدراسات التي تجريها احتمال وجود آثار في باطنها كما يسري حكم هذه المادة علي الأراضي الصحراوية وعلي المناطق المرخص بعمل محاجر فيها" .
ويستعد مجموعة من الأثريون لرفع مذكرة لليونسكو لشرح تفاصيل ما يجري علي أرض القلعة التاريخية وخطورة الحفر علي عمق 25مترا واستخدام المعدات الثقيلة وبناء أبراج خرسانية خاصة أن جبل المقطم معروف عنه أنه كثير التحرك وان صخوره الجيرية سريعة التأثر بعوامل التعرية والعوامل الجوية المختلفة وكثيرة التكسر والانهيار، وهو ما حدث منذ عدة سنوات عندما انهارت إحدى الهضبات التي تقع جنوب هذه المنطقة فوق سكانها في الحي المعروف باسم حي "الزبالين" مما أدي إلي وفاة العديد من الناس وانهيار عدة مساكن.
وسوف يدعم الأثريون مذكرتهم بالتقرير العلمي الذي أعده الدكتور عبدالله كامل ولجنته في ٢٢/٥/2006 والذي وافقت عليه اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية واتخذت علي أساسه قرارًا بوقف المشروع، بالإضافة طبعًا لسيل المخاطبات التي أرسلها المجلس الأعلى للآثار لكافة الأجهزة التنفيذية مطالبًا بوقف المشروع ولكن دون جدوي.
علي الجانب الآخر يردد أصحاب المشروع أنهم حصلوا علي موافقة من الدكتور زاهي حواس بالتمرير بعد أن أوقف المجلس الأعلى للآثار مشروعهم.. فهل حقًا منح الدكتور زاهي حواس الشركة المالكة للمشروع موافقته علي استكمال أعمال البناء؟!! وإذا كان ذلك كذلك فلماذا تحمس الدكتور زاهي لقرار اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية؟! وأعلن علي صفحات "الأسبوع" رفض المشروع والتزامه بقرار اللجنة الدائمة؟! ولماذا لم تعلن شركة "مركز القاهرة المالى والسياحى" عن هذه الموافقة فى مؤتمر صحفى تبرىءفيه ساحتها خاصة أن قلعة صلاح الدين الأيوبي ليست ملكًا خاصًا لأحد ومن حقنا أن نعرف تفاصيل المشروع الذي يقام علي أرضها؟!.
حاولنا الاتصال بالدكتور زاهي حواس لكن فشلنا نظرًا لسفره خارج مصر.
التقينا بالدكتور عبد الله كامل رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية الذي قال: ليس من سلطة أحد اتخاذ قرار بهذه الخطورة دون الرجوع إلي اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية صاحبة الاختصاص والحق ـ وفقًا لنصوص القانون ـ في اتخاذ مثل هذه القرارات وقد اتخذت اللجنة الدائمة قرارًا واضحًا لا يحتاج إلي أي تفسير ولا يحمل أي لبس يقضي بوقف الأعمال فورًا وإلغاء الترخيص الصادر من المحافظة في 2002 و2005 لأنه يخالف القانون وبالتالي يجب إزالة كل التعديات التي تمت بالموقع وندرس حاليًا إجراءات الإزالة، وفي طريقنا لتصعيد القضية إلي أعلي مستوياتها لو لم تلتزم الشركة بالقوانين المنظمة لحماية الآثار فنحن نعيش في دولة يحكمها القانون.
يبقي السؤال: أليس من حقنا أن نعرف حقيقة موقف فاروق حسني وزير الثقافة؟! أليس من واجبه أن يعلن للرأي العام ما سيفعله للحفاظ علي تراثنا وحضارتنا؟.

ليست هناك تعليقات: