عفوًا منظمة اليونسكو.. وعذرًا يا ترزية القرارات بمجلس الآثار
المعماريون والخبراء المصريون يطالبون
بإزالة آثار العدوان علي صلاح الدين
أسئلة مشروعة:
* لماذا يتعذر علي الدولة إزالة التعديات الخرسانية واستسلمت للأمر الواقع؟
* لماذا يحاول المسئولون تقليل المخاطر ولا يسعون لإزالتها تماما؟
* لماذا اختار مجلس الآثار المادة (٢٢) من القانون وطبقها واستبعد المادة (٠٢) من نفس القانون؟
محمد السيسى
في الوقت الذي قام فيه ترزية القرارات بالمجلس الأعلي للآثار - اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية - بتفصيل قرارات تتناسب مع مشروع أبراج القلعة الخرسانية وتتيح له الاستمرار وقف المعماريون المصريون وأساتذة التخطيط العمراني وقفة مشرفة رفضوا فيها المشروع برمته معلنين أنه لا تفاوض مع من يحاولون طمس تاريخنا وحضارتنا، وأنهم لن يقبلوا بأقل من إزالة التعديات علي المنطقة الأثرية، بل طالبوا أيضًا بمحاكمة المسئولين الذين منحوا أصحاب المشروع الموافقات، ورخصوا لهم بناء أبراج خرسانية تهدد قلعة صلاح الدين الأيوبي وقلعة محمد علي.
جاء ذلك في الندوة التي عقدتها لجنة العمارة بالمجلس الأعلي للثقافة بالتنسيق مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري وشارك فيها سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضاري وصلاح حجاب رئيس لجنة العمارة بالمجلس والدكتور عباس الزعفراني أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة والدكتورة سهير حواس ونخبة كبيرة من أساتذة العمارة والتخطيط العمراني والآثار من بينهم المعماري الكبير الدكتور يحيي الزيني وماهر استينو والدكتور محمد الكحلاوي أمين اتحاد الأثريين العرب ود. عبد الله كامل رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية.
موقف المعماريين وأساتذة التخطيط العمراني أعاد للأذهان حكم محكمة القضاء الإداري سنة ٩٩٩١ بشأن مشروع " باب العزب " عندما قالت في حيثياتها: " إنه من المؤسف أن يأتي الاعتداء علي الآثار المصرية من المجلس الأعلي للآثار المنوط به حماية الآثار" .. وهو ما يؤكد أننا أمام مسلسل من الاعتداءات علي تراث مصر يجب الوقوف ضده بحسم.
كانت " الأسبوع " قد حذرت علي مدي الأعداد الثلاثة الماضية من خطورة مشروع ناطحات السحاب المزمع إقامته أمام القلعة التاريخية حيث يهدد أقدم منظومة دفاعية في مصر الإسلامية بالانهيار، وتساءلنا عن جنسيات الشركات المساهمة في المشروع ورمزية البناء في مواجهة قلعة صلاح الدين الأيوبي؟!
علي الجانب الآخر حذرت منظمة الثقافة والعلوم والآداب التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) في تقرير عاجل أرسلته إلي المجلس الأعلي للآثار بعد معاينة الموقع الأثري من خطورة المشروع علي المنطقة الأثرية.
قال التقرير: إن مشروع الأبراج الخرسانية قد بدأ العمل فيه بالفعل وبالتالي فإنه يتعذر التراجع عنه لذلك وفي سبيل حماية القيمة العالمية للقلعة يجب أن يخضع هذا المشروع لمجموعة من الشروط والضوابط الصارمة لتنفيذه بارتفاعات منخفضة واستخدام مواد بناء لا تؤثر علي بانوراما القلعة من جميع الاتجاهات.
ومن الشروط التي وضعتها منظمة اليونسكو ضرورة ألا ترتفع المباني عن منسوب طريق صلاح سالم (أي تظل تحت الأرض) مما يقلل من مظاهر الإيذاء البصري.
وأشار التقرير إلي أن التصميم المعماري للمشروع عبارة عن كتلة ضخمة تتضمن (٨) أبراج خرسانية متصلة وطالب بأن تكون المباني منفصلة ومقسمة إلي أجزاء مختلفة الأحجام والأشكال لتتفق مع الطابع المعماري للقلعة وبانوراما المنطقة ككل.
وأضاف التقرير: المواد المستخدمة حاليًا في بناء المركز المالي والسياحي بالمقطم لا تتفق والنسق العام للمنطقة حيث سيتم استخدام الزجاج والحديد لذلك يجب تغيير هذه المواد لتكون ذات تصميم ولون يتناغم وبانوراما المنطقة كأن يكون لون المبني ªبني أو كريمي´ ليتماشي مع قلعة صلاح الدين وذلك لتقليل الأذي البصري.
وفي اتصال بالدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار أشار إلي عرض التقرير علي فاروق حسني وزير الثقافة واللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية التي اجتمعت ظهر الخميس وأقرت ما جاء بتقرير اليونسكو وستتخذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ ما جاء بالتقرير بالتعاون مع القائمين علي المشروع ومحافظة القاهرة، وقد تم تكليف الدكتور عبد الله كامل رئيس القطاع بتنفيذ الضوابط المنصوص عليها في التقرير بدقة وحزم وهو المسئول الآن مسئولية مباشرة عن ذلك.
ووصف د. زاهي حواس هذه القرارات بأنها ملزمة يجب علي جميع الأطراف التقيد بها وهو ما يستدعي إعادة تصميم مبني المركز المالي والسياحي المزمع بناؤه ليطابق الشروط التي وضعتها اليونسكو ووافقت عليها اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية.
ومع احترامنا وتقديرنا لمنظمة اليونسكو وحرصها علي حماية الآثار المصرية ودفاعها عن قلعة صلاح الدين الأيوبي نؤكد أن علماء مصر وخبراءها الأثريين والمعماريين ومن ورائهم الشارع المصري لن يقبلوا بأقل من إزالة التعديات ونزع ملكية الأرض ومحاسبة المسئولين عن ظهور ستة طوابق خرسانية والحفر علي عمق ٥٢ مترًا في مواجهة القلعة، فمن غير المعقول أن نتعامل مع تراثنا وحضارتنا تحت ضغط من أحد أو بسياسة الأمر الواقع كما يتضح من تقرير اليونسكو الذي قال: " العمل بدأ بالفعل ويتعذر التراجع عنه" و " الالتزام بالضوابط لتقليل مظاهر الإيذاء البصري" .. ونحن نسأل: لماذا يتعذر التراجع عن المشروع؟ وكيف لمس خبراء اليونسكو ذلك؟ وهل إزالة ستة طوابق خرسانية أصعب من عملية نقل معبد أبو سمبل؟! ولماذا لا نسعي لإزالة مظاهر الخطر بدلاً من تقليلها ؟! ولماذا انتقي مجلس الآثار المادة (٢٢) من القانون 117 لسنة 1983 والتي تجيز البناء بضوابط واستبعد المادة (٠٢) من نفس القانون والتي تمنح مجلس الآثار الحق في منع البناء والترخيص لمشروعات في المناطق الأثرية لمسافة ٣ كيلو مترات أو لمسافة أكبر يحددها مجلس الآثار حفاظًا علي الآثار والمحيط الأثري والتاريخي والحضاري ؟
ونحيل السادة مسئولي الآثار وخبراء منظمة اليونسكو إلي وقائع الندوة التي عقدها المجلس الأعلى للثقافة - الأربعاء الماضي - حيث ألقي خلالها الدكتور عباس الزعفراني محاضرة علمية تناول فيها أبعاد وخطورة مشروع أبراج القلعة الخرسانية مدعمًا كلامه بحقائق علمية وصور ميدانية من موقع البناء .
استعرض الدكتور عباس الزعفراني المخاطر التي تحيط بمنطقة القلعة الأثرية وتهدد قلعة صلاح الدين الأيوبي وقلعة محمد علي وعددًا لا بأس به من المباني التاريخية، كما تناول المخاطر الجيولوجية التي تهدد بانهيارات في جبل المقطم وحدوث كارثة لا يعرف أحد مداها، بعد ذلك تحدث عن المخاطر الوظيفية والتخطيطية للمشروع والتي من أبسطها اختناق المنطقة مروريًا وتهديد أهم شرايين مصر المرورية (صلاح سالم والأوتوستراد) وأشار إلي أن المسئولين غالبًا ما يتخذون قرارات ويكتشفون بعد فوات الأوان خطورتها وضرب مثالاً بفندق " الفورسيزونز " الذي فوجئنا به علي نيل جاردن سيتي والذي سعي وزير الإسكان لردم نهر النيل لتلافي الآثار السلبية لهذا الفندق!!
وعن المخاطر التي تهدد القيمة البصرية والحضارية قال د. عباس الزعفراني: تتميز قلعة صلاح الدين وخاصة مسجد محمد علي بقيمة بصرية عالية تؤثر إيجابًا علي القيمة الجمالية للقاهرة ككل، فمسجد محمد علي يمكن رؤيته من معظم مناطق القاهرة وهو عنصر رئيسي من خط السماء بها، ويتميز المسجد بملمحين جماليين يؤثران علي جمال المدينة ككل حيث يبدأ ثقيلاً في الأسفل ثم يزداد خفة كلما صعد إلي أعلي حتي يكاد يختفي مع القمة المبنية للمآذن الرشيقة وهو يؤدي بذلك الوظيفة الرمزية للمسجد ومناراته في الربط بين الأرض والسماء ويرسم شكلاً مميزًا لخط السماء للقاهرة التاريخية.
وأضاف: المسجد مقام علي ربوة عالية هي جزء من جبل المقطم، استفاد منها المصمم في أن يرفع المسجد ليصبح مرئيًا هو والربوة من مسافات بعيدة، ويؤدي ظهور مبني ضخم مقارب له في الارتفاع إلي تدمير خط السماء وضياع جزء كبير من قيمته الجمالية والأثرية وخاصة أن المبني المزمع إنشاؤه لا يحترم صيغة التدرج في العلاقة بالسماء بل هو مجرد كتلة صماء مستوية من الأعلي.
وطالب الدكتور الزعفراني بوقف المشروع ورفع معدات البناء وإزالة آثار العدوان ونزع ملكية الأرض وتعويض المالك بأرض بديلة في مدينة جديدة ومحاسبة المسئولين عن وصول المشروع لما وصل إليه الآن وفضحهم إعلاميًا ليعرف الجميع أن التهاون في حماية تاريخنا وحضارتنا جريمة لا تغتفر.
وأشار إلي ضرورة استغلال ما حدث وإعادة التفكير في هذه البقعة التاريخية المهملة وإحياء مشروع ربط قلعة محمد علي بقلعة صلاح الدين واستكمال الطريق الرابط بين القلعتين بحيث يهبط منه السياح لزيارة قلعة صلاح الدين بعد زيارة قلعة محمد علي وإعداد مدرج مكشوف أمام قلعة محمد علي لمشاهدة قلعة صلاح الدين والآثار الإسلامية الأخري، واستعمال أرض المشروع بعد نزع ملكيتها كمتحف مفتوح أو حديقة متحفية تتناسب مع طبيعة الموقع الجبلي وطابع القاهرة الإسلامية وهذا أفضل بكثير من خلق مستوطنات خرسانية في حرم القلعة التاريخية.
أما المعماري الكبير ماهر استينو فأكد أن الكوارث التي تلاحق الآثار المصرية وتدمر التراث الطبيعي والحضاري ترجع إلي وجود خلط بين مفهومي الملكية العامة وملكية الحكومة فالتراث الحضاري والطبيعي ملك الشعب المصري وليس من حق الحكومات أو أي مسئول مهما كان مركزه أن يعتبرها ملكًا له ويتصرف بشأنها كيفما شاء!!
وشهدت الندوة مداخلات عديدة من الخبراء المعماريين وأساتذة الآثار والتخطيط العمراني وبعض المهتمين حيث طالبوا جميعًا بوقف المشروع وإزالة التعديات باستثناء خالد نصار المدير التنفيذي للمشروع الذي بدأ كلمته بالهجوم علي الصحفيين قائلاً: حرصت علي حضور هذه الندوة لأنها تضم مجموعة من الخبراء والمعماريين المتخصصين علي عكس الندوة التي نظمتها نقابة الصحفيين والتي بدا واضحًا أنها تتخذ موقفًا عدائيًا من مشروع مركز القاهرة المالي والسياحي وهنا ضجت القاعة فاضطر إلي التراجع عما قاله مشيرًا إلي أنه لا يجيد التحدث عبر الميكروفونات وأنه لا يقصد الإساءة للصحفيين.. ويبدو أن نصار لا يعرف أن معظم العلماء المشاركين في ندوة مجلس الثقافة هم الذين شاركوا في ندوة نقابة الصحفيين!
وأضاف: كل ما قيل لا علاقة له بالمشروع الذي يسعي لتحويل المنطقة إلي مركز مالي وسياحي بعد أن كانت عبارة عن خرابة كبيرة، وهنا تدخل سمير غريب الذي أدار الندوة قائلاً: تحليلنا للمشروع مبني علي ما جاء من معلومات بالأوراق التي أرسلها رجل الأعمال محمد نصير للندوة، كما تدخل أحد الحاضرين ساخرًا: مصر مليئة بالخرابات فلماذا وقع اختيار أصحاب المشروع علي هذه الخرابة المواجهة لقلعة صلاح الدين؟!
واختتم خالد نصار حديثه مؤكدًا وطنية رجل الأعمال محمد نصير وحرصه الشديد علي التراث المصري وهنا تدخل سمير غريب مرة أخري مشيرًا إلي أن المشاركين في الندوة لم يشككوا في وطنية رجل الأعمال كما أن معارضي المشروع وطنيون أيضًا وعلينا أن نخرج بالمناقشة من هذا النفق، وقال: محمد نصير مع مصلحة البلد لأنه لا يملك أن يكون ضد مصلحة البلد!!
أما الدكتور محمد الكحلاوي أستاذ العمارة الإسلامية وأمين عام اتحاد الأثريين العرب فتحدث عن أبعاد مشروع الأبراج وخطورته علي القلعة ثم أشار إلي أن اللجوء لليونسكو غالبًا ما يكون عند وجود نزاعات بين الدول فطبيعي أن يستغيث الشعب الفلسطيني باليونسكو لحماية المسجد الأقصى من الأنفاق التي يحفرها الإسرائيليون تحت المسجد أو تلجأ الدول لهذه المنظمة الدولية لتوفير الخبرات العلمية والأموال اللازمة لحماية الآثار وترميمها لكن في مصر الأمر مختلف حيث يلجأ المهتمون بالآثار إلي اليونسكو لحماية التراث من تجاوزات المسئولين وهو أمر يثير الدهشة ويدفعنا للتفكير بجدية في احترام المؤسسات المنوط بها رعاية الآثار فلدينا المجلس الأعلي للآثار وجهاز التنسيق الحضاري وعدد كبير من الجهات العلمية التي يجب أن يحترمها المسئولون ويأخذوا بتوصياتها حتي لا نجد أنفسنا مضطرين للجوء لليونسكو.
كانت الندوة قد بدأت بكلمة لسمير غريب أكد خلالها أن تشوه العمران المصري انعكاس طبيعي لتشوهات أخري موجودة بالمجتمع المصري وما يحدث الآن هو تشويه لأقدم عاصمة في العالم ولابد أن تتركز تحركاتنا لإيقاف هذا التدهور وهو ما أكدته الدكتورة سهير حواس قائلة: ما يحدث بالشارع المصري يدعو للأسف والغضب ولابد ألا نكتفي بالغضب ونتحرك بشكل عملي للحفاظ علي التراث المصري.
وفي تصريح خاص لــ " الأسبوع " قال الدكتور عبد الله كامل: إن اجتماع لجنة قطاع الآثار الإسلامية والقبطية والمقرر عقده اليوم الأحد سيتخذ توصية تقضي بضرورة صدور ترخيص جديد وستخاطب اللجنة محافظة القاهرة وحي المقطم لإصدار هذا الترخيص خلال أسبوعين علي أن يكون متوافقًا مع ما جاء من ضوابط بتقرير اليونسكو وفي حالة تجاوز هذه الفترة أو عدم الالتزام بالضوابط سيتم اتخاذ الإجراءات لإزالة التعديات ونزع الملكية من مالك الأرض.
جريدة " الأسبوع "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق