قال إن أركان الإسلام أربعة.. فكان طبيعيا أن يعتكف
فى العشر الأواخر من شوال!
من المسئول عن تراجع الدور الثقافى لمصر..
الحجاب أم فاروق حسنى ؟
تقرير يكتبه : محمد السيسى
فجأة ودون سابق إنذار صرح فاروق حسنى تصريحاته النارية الأخيرة حول الحجاب وفرضيته ودوره فى نشر التخلف!! وفجأة أيضا وفى إطار دفاعه عن وجهة نظره ــ وباعتباره وزيرا له سلطته وسطوته ــ قرر أن أركان الإسلام (أربعة) ليس من بينها الحجاب!!
وعقب هذه التصريحات (اعتكف !!) الوزير فى منزله ، هكذا قال، وليس غريبا على من يعتقد أن أركان الإسلام أربعة ، أن يعتكف فى العشر الأواخر من شوال!!
لم تمر أيام وعاد الوزير بعد (الاعتكاف) بمفاجأة جديدة هى إنشاء لجنة للثقافة الدينية بالمجلس الأعلى للثقافة دورها الإشراف على المؤلفات الصادرة عن الوزارة ــ وهذا غير دستوري ــ وتنمية الوعى الدينى عند .. المثقفين طبعا، ثم عاد مرة أخرى ليقول إنه فى حالة إنشاء اللجنة يفضل أن تكون لجنة للحوار الثقافى دورها محاربة الرجعية والتقريب بين عنصرى الأمة!!
ويبدو أن وزير الثقافة لم يعد يفكر فيما يقوله أو يقرره بل يترك الأمر (للقسمة والنصيب) ويبدو أيضا أن لجان المجلس الأعلى للثقافة يتم (تدويرها) أو (تدشينها) علي حسب هوى السيد الوزير، أحيانا لمجاملة البعض وأحيانا لإنقاذه من المشاكل التي يورط نفسه فيها.
كشفت الأزمة الأخيرة الوزير على حقيقته كلاعب ماهر على كل الحبال ، يغازل النظام بإنشاء حظيرة يسوق إليها المثقفين ــ وهل ننسي تصريحاته (المثقفون دخلوا الحظيرة) ؟ ــ ولا مانع من إنشاء لجنة بمجلس الثقافة لمغازلة الكتلة الدينية والخروج من أزمة تصريحات الحجاب ، ولا مانع أيضا من تغيير اسم اللجنة ودورها لإرضاء المثقفين!!
تخبط الوزير فى أزمته الأخيرة وكلامه عن تراجع الفكر واعتقاده بأن الحجاب وراء انتشار التخلف!! يفتح ملف تخبط الثقافة المصرية وتراجعها كأداة فاعلة في تنمية المجتمع.. والسؤال الحقيقي الذى نتمنى أن يفكر فاروق حسنى قبل الإجابة عليه: من المسئول عن انتشار التخلف فى مصر.. الحجاب أم وزارة الثقافة ؟!!
من الذى حوٌل الثقافة المصرية إلى مهرجانات فارغة وموائد عشاء واحتفالات بالمراكب العائمة، و (خناقات) على السفر للخارج والتمثيل داخل اللجان، و(تخليص حق)؟!!
من المسئول عن تقويض منظومة الثقافة فى مصر لينتشر الجهل والإرهاب وتصبح الفتنة الطائفية من المشاكل التى يعانى منها المجتمع المصرى ويصبح هدف وزير الثقافة الآن التقريب بين عنصرى الأمة؟
الوزير الفنان
لقد تفاءل الفنانون التشكيليون بتولى فنان تشكيلى مسئولية وزارة الثقافة إلا أن أوضاع الحركة التشكيلية فى عهد فاروق حسنى سارت من سيئ إلى أسوأ، واتخذت وزارة الثقافة توجه قطع العلاقة بين المواطن العادى والجمال!!
فى الماضى لعب الفن التشكيلى دورا متميزا وارتبط بالقضايا الوطنية ومع انطلاق ثورة يوليو احتل المواطن البسيط مركز الصورة ومحور الأحداث.. الثورة عبر عنها صلاح طاهر وعبد الهادى الوشاحى .. وقضية الإصلاح الزراعى تناولها الحسين فوزى وإنجى أفلاطون وخديجة رياض وراغب عياد وجمال السجينى أما قضية الصناعة فلم تغب عن الفنانين التشكيليين وقتها وظهرت فى إبداعات سيف وانلى ومريم عبد العليم وحامد عويس ومصطفى الأرناؤطى وتحية حليم وغيرهم، ساعد على ذلك تشجيع الدولة على هذا الاتجاه بعمل مسابقات حول القضايا الوطنية وتأصيل الهوية.
أما الآن فالأمر مختلف والاهتمام لم يعد بتأسيس قاعدة لفن يستمر ويبقى، فالبنية التحتية للفن من خلال إيجاد مراسم للفنانين وترجمة أمهات الكتب عن الفن والنقد وتنظيم المعارض فى موضوعات تؤكد الهوية وترتبط بالقضايا الوطنية كلها أمور لم تعد مطروحة بل الاهتمام فقط بالمهرجانية، والمسابقات المكرسة لزرع اتجاهات الحداثة وتغريب الفن والفنانين .
وهو المناخ الذى جعل الفنان ضحل الموهبة يحصل على الجوائز ويفوز فى المسابقات ويعهد إليه بتجميل الميادين والشوارع فانفصل الناس عن الحركة التشكيلية وتحول الفنان إلى موظف عند وزارة الثقافة يبدع فنا غربيا لتقتنى الوزارة أعماله وتخزنها بمخازن متحف الفن الحديث أو ينتج أعمالا لتشتريها السفارات الأجنبية وموظفوها.. أما ما تمر به الأمة العربية من أحداث جسيمة انتهت باحتلال دولة عربية بحجم العراق فلم يعد يشغل بال أحد من الفنانين باستثناء بسيط، حتى الحرب الأخيرة التى شنتها إسرائيل على لبنان لم يعبر عنها سوى الأطفال فى كراسات الرسم ، الكل ينتظر أن تعلن وزارة الثقافة عن مسابقة موضوعها احتلال العراق حتى يبدع وينتج.. وحتى لو حدث ذلك فسنجد العمل الفائز عبارة عن لوحة بيضاء خاوية أو ربما يحصل على الجائزة من يستخدم الهياكل العظمية والخيش فى أعماله!!
أزمة النشر
نأتى لأزمة الكتاب فلم تعد مصر رائدة ــ كما كانت ــ فى هذا المجال وتراجعت حركة النشر واقتصرت فقط على نشر إبداعات الأدباء أصحاب العلاقات القوية بالمؤسسات الثقافية ، ومعاناة المبدعين ورحلات العذاب التى يمرون بها لنشر ديوان أو رواية واستغلال الدور الخاصة لهم، قصص لاتنتهى يسمعها رواد المقاهي الثقافية آناء الليل وأطراف النهار.. ولا داعى للكلام عن الإصدارات الموسوعية أو المشروعات العملاقة لتحقيق التراث فالوضع مخز، حتى مكتبة الأسرة التى أنعشت حركة النشر لفترة اكتفت فى دورتها الأخيرة بنشر الكتب المرتجعة والموجودة بالمخازن مع تغيير الغلاف ووضع كلمة افتتاحية لرئيس الهيئة المصرية للكتاب الجديد ناصر الأنصارى ولولا الملامة لطرحت الكتب بمقدمة الدكتور سمير سرحان رحمه الله أو من سبقوه.
أما المجلات الثقافية فلم يعد لها وجود حقيقي فهى متوقفة أو فى أحسن الأحوال غير منتظمة الصدور، وحتى عندما تصدر لا يشتريها أحد ، بل يفكر مسئولو الثقافة الآن فى دمج المجلات الثقافية المتخصصة في مجلة واحدة!! .
هل تذكرون مجلات (إبداع) و(علم النفس) و(القصة) و(علم الكتاب) و(المسرح) و(المسرح العربي) وغيرها؟!
كانت هناك مجلات ثقافية.. أين ذهبت؟!! فى الوقت الذى اجتاحت فيه المجلات الثقافية القادمة من الخليج السوق المصرى لتصبح المتنفس الوحيد للقراء والكتاب ويشتريها الناس رغم ارتفاع أسعارها لأنها تسد حاجة لديهم.
الثقافة الجماهيرية
لا ينكر أحد أن ما أنفق من ملايين وربما مليارات علي الثقافة المصرية في عهد فاروق حسني لم ينفق من قبل ، لكن للأسف النتائج جاءت مخيبة للآمال والسبب أن وزارة الثقافة تنفق وببذخ على الشكل دون الاهتمام بالمضمون، وأكبر دليل على ذلك انهيار (هيئة قصور الثقافة) فرغم ما أنفق عليها من أموال طائلة خلال عشرين سنة لم تقدم شيئا فعليا للمواطن المصري وكل ما تقوم به فى الغالب أنشطة وندوات ومؤتمرات على الورق وبعد أن كانت التهمة الموجهة للهيئة الاهتمام بالقاهرة الكبرى على حساب الأقاليم أصبحت هيئة قصور الثقافة لا تؤدى دورها الذى أنشئت من أجله لا فى القاهرة الكبرى ولا فى الأقاليم!!
فهل يصدق أحد أن قصر ثقافة الجيزة حتى الآن أنفق على تجهيزه الملايين ومازال بعد عشرين سنة تحت التجهيز ولا يستقبل روادا ولا يقدم أى نشاط فاعل؟!! وهل يصدق أحد أن أحياء القاهرة الكبيرة لا توجد بها بيوت للثقافة بعد أن تحول قصر ثقافة قصر النيل إلى قصر ثقافة السينما، وقصر ثقافة الغورى إلى قصر التراث وقصر ثقافة الريحانى إلى قصر الموسيقى؟ .. وهل يصدق أحد أن قصر ثقافة بنى سويف بعد تجديده وترميمه احترق فيه شباب المسرحيين والنقاد والصحفيين لأن قاعة المسرح به غير صالحة للعرض المسرحي؟!! وهو نفس الحال في قصر ثقافة الفيوم، وقصر ثقافة قنا وغيرها من القصور التى أنفق عليها الملايين دون جدوى.
وهل يصدق أحد أن قاعات السينما أو نوادى السينما بقصور الثقافة تم تأجيرها لمتعهدين يعرضون الأفلام فى الأعياد والمواسم؟!!
لقد تحولت بيوت الثقافة المنوط بها تقديم الخدمة الثقافية للمواطنين فى القاهرة والأقاليم وفى القرى والنجوع إلى أماكن مهجورة لا توجد بها عروض سينمائية ولا مسرحية ولا تنظم معارض للكتب والرسومات ولا تهتم باكتشاف المواهب فى الكتابة والرسم والموسيقى والغناء ولا تقيم ندوات أو أمسيات شعرية أو مسابقات إلا فى أضيق الحدود عندما يكون المسئول عن قصر الثقافة نشيطا أو صاحب رؤية، أو فى المواسم كما يحدث فى شهر رمضان، أو كما حدث قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة عندما استغل الحزب الوطنى بيوت الثقافة لعمل ندوات تروج لمرشحيه ولسياسات الخصخصة وتحرير السوق ونشر ثقافة السلام!!
سينما ومسرح
وفى الوقت الذى تنفق فيه وزارة الثقافة عشرات الملايين على المسرح التجريبى أصبح المسرح المصرى فى ذمة التاريخ فهو يمر بمأزق شديد منذ سنوات وسنوات وفى الوقت الذى تحول فيه المسرح الخاص ــ فى أغلب ما يقدمه ــ إلى مجرد كباريه غاب مسرح الدولة باستثناء بعض العروض القديمة التى تعيد الوزارة عرضها لذر الرماد فى العيون ولسنا بالطبع بصدد الحديث عن غياب خطة حقيقية للمسرح فليس لدينا قاعات أو مسارح أصلا للعرض، فأين هى مسارح الدولة؟! وهل هى مهيأة للعروض المسرحية سواء فى القاهرة الكبرى أو الأقاليم؟!
وبدلا من أن تنفق وزارة الثقافة ميزانيتها على إعداد مسارح قادرة على استقبال الفنانين والجمهور وبناء قواعد المسرح الكلاسيكى التقليدى وتقديم تراث المسرح العالمى وأعمال مسرحية جادة أهدرت الملايين فى استضافة الفرق المغمورة والندوات المكررة فى مهرجان المسرح التجريبى ، واتجهت نحو أنشطة كرتونية كالمهرجان القومى للمسرح وغيرها فى محاولة لإيهام البعض بأن هناك نشاطا مسرحيا!!
ويبدو أن وزارة الثقافة لا تريد أن يلعب المسرح دوره التنويرى الذى لعبه في الستينيات من القرن الماضى ليبق المواطن أمام المسرح الخاص الذى يساهم فى الغالب فى تسطيح الوعى عند الناس.. وإذا كانت للوزير وجهة نظر مختلفة فنطالبه بالإجابة على سؤال واحد: كم من الشباب ــ مواليد 1980 ــ وهم الآن فى السادسة والعشرين من عمرهم شاهد عملا لــ " شكسبير" أو "راسين " أو " كورنيه " بل كم من هؤلاء دخل المسرح أصلا مرة واحدة فى حياته؟!!
وإذا كان هذا هو حال المسرح فإن السينما ليست أفضل.. فقط حالتها أقل خطورة.. ومصر التى كانت تقدم ما يصل إلى 150 فيلما سنويا فى الماضى أصبحت لا تقوى فى أحسن الأحوال على إنتاج أكثر من30 فيلما لو أفرطنا فى التفاؤل، وبالمناسبة هى غير قادرة على المنافسة.. ورغم ما أعلنته الدولة عندما قام قطاع الأعمال العام بخصخصة كافة أصول السينما المصرية ــ من معامل و استديوهات ودور عرض ــ حول توجيه حصيلة البيع لخدمة النشاط السينمائى ولتحديث آلياته إلا أن شيئا لم يحدث!! ويبدو أن المؤسسة الثقافية لاتعرف أن صناعة السينما صناعة استراتيجية فهى ليست مجرد باب رزق للفنان والمنتج بل سلاح شديد التأثير فى المجتمع حتى أن الدول الرأسمالية الكبيرة مثل إنجلترا وفرنسا تدعم صناعة السينما فيها بقوة لمواجهة هجوم السينما الأمريكية.
التاريخ فى خطر
نأتى لمسألة خطيرة تتعلق بالآثار المصرية وحمايتها الآثار الإسلامية والقبطية والآثار الفرعونية والتى تمثل ما يقرب من 60 بالمائة من آثار العالم.. ونعتقد أنها قضية خطيرة كانت تحتاج إلى وقفة من نواب الشعب فى مواجهة فاروق حسنى فليس لدينا أهم من تراثنا الوطنى وتاريخنا لندافع عنه.
وقبل أن نخوض فى التفاصيل المحزنة نذكر وزير الثقافة بحيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا الذى أصدرته بعد إثارة مشروع باب العزب الذى كان ينوى الوزير إقامته ودخل فى معارك كثيرة مع الأثريين لتمريره ، وينطوى علي تحويل قلعة صلاح الدين إلى منتجع سياحى.. فقد قالت المحكمة : ( لقد خرجت هيئة الآثار عن وظيفتها المنوطة بها وهى حماية الآثار.. ومن المؤسف أن يأتى العدوان على آثار مصر من هيئة الآثار التى تؤتمن على المحافظة عليها ) .
ما قالته المحكمة فى حيثياتها كان حول مشروع (باب العزب) إلا أنه ينطبق للأسف على أغلب سياسات وزارة الثقافة فيما يتعلق بالآثار المصرية.
بالنسبة للآثار الإسلامية.. ففى مقابل عدد من الآثار تم ترميمها لن نتحدث عن الترميم الخاطئ الذى شوه الكثير من الآثار هناك آثار مهمة ونادرة فقدناها للأبد بسبب الإهمال وعدم وجود سياسة فاعلة لحماية تراثنا ، من بين هذه الآثار (قصر المسافر خانة) الذى احترق لنفقد أحد أعظم وأهم المبانى الأثرية فى حضارتنا الإسلامية .. فقد تركته وزارة الثقافة للخفير الذى يحرسه ليستغله فى ترويج المخدرات وتأجير غرفه للفلاحين فى مولد سيدى مرزوق!!!
وتحت ضغط المياه الجوفية وزحف السكان وإهمال وزارة الثقافة هناك العديد من الآثار دمرت أو فى طريقها للتدمير ويقدرها البعض بــ50 أثرا. وإذا كان هذا حال العديد من الآثار التى تركتها وزارة الثقافة لينال منها الحريق أو تنهار بعوامل الزمن فإن الكثير من الآثار التى خضعت لأعمال الترميم فقدت أثريتها وتحولت إلى مبان جديدة وكارثة ترميم الجامع الأزهر خير شاهد على ذلك فقد قامت الشركة المرممة ببناء عقود جديدة من الطوب الأحمر المغلف بطبقة من الأسمنت ،كما قامت الشركة بطلاء زخارف قبة الصحن التى تعود إلى زمن الخليفة الحافظ لدين الله بطبقة سميكة من "النمكس" أخفت وراءها جمال ورونق الزخارف وضاعت ألوان " الفرسكو" الزرقاء والحمراء والسوداء الأصلية.. وتحطمت النوافذ المسدودة فى رقبة القبة الفاطمية.
لم يتوقف التشويه عند هذا الحد فقد تم تجديد الظلة الشمالية الشرقية من الجامع الأزهر وإزالة ما عليها من كتابات قرآنية وزخارف بنائية وعند تنظيف عضادات المداخل تآكلت النصوص التأسيسية وأصبحت غير مقروءة مثل عضادتى مدخل المدرسة الأقبغاوية وعضادة مدخل السلطان قايتباى.. هذا بالإضافة لحقن الأرض بالخوازيق الإبرية وكساء أرضيات الجامع برخام حديث مغاير لطبيعة الكساء الفاطمي الأصلى.
وقد رصد هذه التجاوزات التي خرجت بالجامع الأزهر من نطاق الآثار الإسلامية تقرير علمى شارك فيه عدد من المتخصصين منهم د.فاطمة حلمى ود. شعبان طه ود. نبيل عبد السميع وآخرون بالإضافة للإدارة الهندسية بالمجلس الأعلى للآثار .
وما حدث للأزهر حدث للعديد من المبانى الأثرية نذكر منها على سبيل المثال "وكالة بازرعة" التى تم فيها بناء ألف متر مكعب واستكمال الحوائط المنهارة بالطوب الأحمر بل تم شراء 470 مترا من الأبواب والشبابيك على نمط النماذج الأثرية وترميم وشراء 37 مشربية من الخشب العزيزى.
لن نتحدث طبعا عن مركز القاهرة المالى والسياحى الذى ظهر فجأة فى باطن منطقة القلعة الأثرية منذ شهور قليلة ليواجه قلعة صلاح الدين الأيوبى ويهددها ويهدد قلعة محمد على بالانهيار فمازالت تفاصيل هذا المشروع عالقة بالأذهان ومازال يقف ليخرج لسانه للجميع.
ومن الآثار الإسلامية إلى الآثار الفرعونية التى تهرب يوميا إلى الخارج لتزين المتاحف العالمية وقصور الأثرياء والتى تبيعها صالات المزادات.. ومتصفحو الإنترنت يفاجئون كل أسبوع بقطع مصرية نادرة معروضة للبيع، ويكفى أن نعرف أن الآثار المصرية المنهوبة والمهربة فى السنوات الثلاثة الأخيرة تفوق بكثير الآثار العراقية التى سرقت بعد الاحتلال الأمريكى.
ولن نتحدث هنا عن السرقات التى تتعرض لها الآثار فى كل الأقاليم المصرية وفى القرى والنجوع التى يحمى الآثار فيها خفير بنبوت ولن نتطرق للسرقات التى نالت من المخازن المتهالكة التى تواجه محترفى السرقة ومافيا تهريب الآثار بدون أسقف وبدون نظام حراسة، كما قلنا مجرد خفير يمسك نبوتا فى القرى والنجوع وبندقية متهالكة فى القاهرة والجيزة!!
ولن نتحدث عن سرقة جدارية منقوشة من الكرنك قام اللصوص بقصها بمنشار كهربائى وإخراجها من مصر.. لكننا سنستشهد بواقعة واحدة فقط توضح كيف يتعامل المسئولون مع تاريخ مصر، وهى سرقة المتحف المصرى الأخيرة ــ تعرض المتحف المصرى للسرقة ثلاث مرات فى عهد فاروق حسنى ـــ ففى آخر مرة سرق فيها المتحف فى 2004 فقدنا 37 قطعة أثرية سرقت من القسم الأول قسم (توت عنخ آمون) أحد أهم الأقسام بالمتحف.
وكشفت السرقة عن كم من الإهمال لا طاقة لآثارنا به بداية من تخزين القطع الأثرية فى كراتين مياه معدنية مرورا بعمليات الجرد الصورى وعدم وجود دفاتر حقيقية لتسجيل الآثار وحتى مرور الجريمة مرور الكرام دون أن يحدث أى شئ ودون أن يتحرك ساكن.
واقعة أخرى توضح حجم الفوضى وكيف يتعامل المسئولون مع آثارنا المعروضة فى أهم متحف فى مصر .. فى إحدى المرات أبلغ موظفو المتحف عن فقدان 11 قطعة أثرية من المعروضات وعندما تحركت شرطة السياحة والآثار ضبطت 57 قطعة مسروقة من المتحف ليس من المخازن بل من المعروضات!!
أيد صهيونية
ولا يتوقف الأمر عند السرقة بل يعربد فى التنقيب الأثرى بعض البعثات المشبوهة التى تستغل وجودها على أرض مصر وعملها فى مجال التنقيب الأثرى وتزيف المعلومات وتوظف اكتشافاتها فى خدمة الأغراض الصهيونية وأوضح مثال على ذلك بعثة الأمريكى الصهيوني "جيمس هوف ماير" التى تعمل فى منطقة تل البرج فى سيناء فقد ألف كتابا عنوانه " إسرائيل فى مصر" يدعى فيه أن سيناء إسرائيلية.. وهذا الباحث معروف بميوله الصهيونية فهو عضو بجمعية الآثار الإسرائيلية وسبق أن شارك الصهيوني " إليعازر أورين" فى سرقة الآثار المصرية أثناء احتلال سيناء سنة 1967.
ومنذ 1993 والباحث الأمريكى "سكوت وود" ينزع عينات المومياوات الملكية فى مصر لفحصها ودراستها باستخدام الحمض النووى.. و"سكوت وود" هذا يحاضر فى جامعة "بريجام يونج" بــ"سان جوزيه" بكاليفورنيا ولهذه الجامعة فرع فى أورشليم ، وقد نشر مقالا بعنوان "الصيد العظيم للــ D.N.A" أشار فيه إلى أنه استطاع وضع تسلسل للحمض النووى لثلاثة من الفراعنة هم "سقنن رع شهيد حرب تحرير مصر من الهكسوس وأمنحتب الثانى أشهر فرعون رياضى وتحتمس الثالث نابليون الشرق الأدنى القديم" .. ولا ندرى كيف ومتى حصل هذا الباحث على هذه العينات؟ هذا السؤال أجاب عليه "سكوت وود" فى مؤتمر صحفى عقده سنة 1995بمناسبة تنفيذ دراسة الأحماض النووية على ست مومياوات مصرية فى المتحف الروزكروزسانى ، وكان يقود البحث "ويلفر دجريجز" والذى عمل بفج الجاموس بالفيوم وحصل على 500 عينة لدراستها بالأحماض النووية.
وكانت مفاجأة كبرى عندما ظهر "سكوت وود" على قناة ديسكفرى عام 1999 وقال إنه استطاع دراسة ثمانية أجيال من الملوك فى عصر الأسرة الثامنة عشرة وشكك فى مصرية عدد من الملوك.. ناهيك عن السرقات التى تتم بواسطة بعض البعثات الأجنبية..
ومن القمة الذهبية فى احتفالات الألفية إلى ثقب الهرم إلى فحص مومياء " توت عنخ آمون" بالأشعة المقطعية وعمل صورة تخيلية للفرعون المصرى تظهره كملك أوربى لا علاقة له بمصر.. قضايا تستحق الوقوف أمامها واتخاذ موقف حاسم ممن يشوهون التاريخ المصرى ويفرطون فيه.
جريدة " الأسبوع "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق