السبت، ١٢ مايو ٢٠٠٧

زواج غير شرعى

زواج غير شرعى
بقلم : محمد السيسى

عادت من جديد ـــ ومع اقتراب موعد انتخابات الشورى ـــ قضية خوض الإخوان المسلمين الانتخابات تحت شعار " الإسلام هو الحل" .. وهى القضية ـــ القديمة الجديدة ـــ التى تثير جدلا واسعا مع كل انتخابات ، لكن هذه المرة يبدو الأمر مختلفا .. فالدولة ـــ على خلفية حصول الإخوان على عدد غير مسبوق من المقاعد فى مجلس الشعب ـــ أعلنت حالة التأهب القصوى لمواجهة هذا الشعار لدرجة تنبئ بصدام قادم ، خاصة بعد تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية التى تضمنت توقيع عقوبة على المرشحين الذين يستخدمون الشعارات الدينية، بما فيها شعار " الإسلام هو الحل " ، تصل إلى حد شطب المرشح من كشوف المرشحين .

السؤال الذى أطرحه كطرف لا ينتمى لأى من الجانبين : هل كان شعار " الإسلام هو الحل" السبب الوحيد فى تحقيق الإخوان هذا العدد من المقاعد تحت القبة ؟! وهل خلو البرلمان أو مجالس إدارات النقابات من شخصيات تنتمى للإخوان المسلمين يعنى أنهم غير موجودين فى الشارع ؟!
ثم هل من حق أي حزب أو تيار يدخل اللعبة السياسية أن يحتكر لنفسه شعار " الإسلام هو الحل " أو يتحدث باسم الدين ، حتى ولو كان يطلق على نفسه " الإخوان المسلمين " ؟!

لقد تخلت الدولة بإرادتها ولمصلحة فئة بعينها ـــ الرأسماليين الجدد ـــ عن دورها ومشروعها الحقيقى كدولة ، ودارت عجلة التاريخ للخلف لتصل بنا إلى ما قبل ثورة يوليو ، وأصبحت المصالح الشخصية هى التى تحدد كل شىء ، قوانين تصاغ لمصلحة أفراد بأعينهم ، ومؤسسات تدار بأكملها لخدمة رؤساء مجالس إدارتها ، والمواطن البسيط فى أحسن الظروف يحتل ذيل اهتمامات أولى الأمر ، أضف إلى ذلك حياة سياسية مشوهة وأحزاب كرتونية متقوقعة داخل صراعاتها وشققها المفروشة ، وبديل مضحك أو بالأحرى مبكى ـــ هل تذكرون انتخابات الرئاسة ؟!! ـــ وهو ما وضع الجميع أمام مستقبل مجهول .

حالة من التشوش و" الغيامة " و " قلة الحيلة " قسمت الناس إلى فريقين كل منهما يبحث عن الخلاص بطريقته : الأول يتطلع إلى الغرب المنقذ ـــ المنتصر ـــ الذي لم يفوت الفرصة وراح يتاجر بأوجاع وهموم الفقراء المقهورين أمثالنا تحت شعارات براقة من عينة " الديمقراطية " و " القضاء على الأنظمة الديكتاتورية " وغيرها من الشعارات التى جذبت كثيرين ، وتجرى من خلالها عمليات اختراق ربما لم تشهدها مصر من قبل !!

الفريق الثانى لم يجد أمامه سوى التمسك بالدين ـــ شكلا ـــ لدرجة أنك عندما تسأل واحدا عن اسمه تجد الإجابة " فلان إن شاء الله " !! ناهيك عن المحلات التجارية التي تسمي نفسها ­ الآن­ بأسماء الله الحسنى ، وأسماء سيدنا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كـــ " سوبر ماركت الرحمن"
و " بقالة المصطفى " وغيرها الكثير !! .. حالة من التمسك بالشكل تحول معها المدٌعون إلى رجال دين لا لشىء سوى أنهم يقولون " قال الله وقال الرسول " فى حين أنهم يروجون للخرافة وزواج الإنس بالجن لتسويق برامجهم التى تحقق أعلى نسبة مشاهدة على الفضائيات !!

ولم يكن غريبا أن يكتسب الإخوان " المسلمون " فى هذه الظروف تعاطفا شعبيا من خلال تواجدهم المنظم فى المساجد والجامعات والنقابات وما تقدمه الجماعة من خدمات حقيقية يلمسها الناس فى الشارع ـــ علاج شبه مجانى ، دروس خصوصية مجانية ، معاش شهرى لغير القادرين عن العمل وغيرها ـــ بالإضافة إلي بعض المواقف السياسية المتعلقة برفض العدوان الأمريكى والصهيوني علي العراق وفلسطين وأفغانستان ، وقضايا الحريات ، وكلها أمور تزيد من رصيد الجماعة ، خاصة مع موت الأحزاب والتيارات السياسية إكلينيكيا .

المسألة إذن ليست فقط شعارا ترفعه جماعة الإخوان المسلمين ، فنحن أمام جماعة حقيقية فاعلة تستغل خلو الساحة وعددا من المعطيات الموجودة حولها بكفاءة وفاعلية جعلت منها كيانا لا يمكن تجاهله .

نأتى لقضية شعار " الإسلام هو الحل" ، لكن قبل أى شىء أؤكد أننى أعلم علم اليقين أن المادة الثانية من الدستور المصرى تقول " إن دين الدولة الرسمى هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع " ، بل ويستقر فى ضميرى أن الإسلام هو الحل .. لكن وبالمقابل الإسلام ليس حكرا على جماعة بعينها أو تيار أو حزب ما فالإسلام وضع القواعد دون أن يحدد الأسلوب ، لذلك هو صالح لكل زمان ومكان .. والمسألة كيف يمكن أن يستلهم هذا الحزب أو ذاك التيار من الإسلام أو المبادئ الاشتراكية أو الليبرالية أفكارا سياسية محددة للنهضة والتقدم .. وإلا ماذا يعني سقوط مرشح يرفع شعار " الإسلام هو الحل " ؟ هل يعنى ذلك أن أبناء دائرته من غير المسلمين أو مسلمين من العصاة ؟!!
لذلك أرى أن استخدام شعارات دينية أو تقديم حلول إلهية للترويج لمرشح ما أو حزب في الانتخابات " انتهازية سياسية " شأنها شأن كل العبارات الرنانة الفضفاضة التى تغازل المشاعر لا العقول ، ويستوى عندى من يرفعون شعار " الإسلام هو الحل " بمن يستخدمون " صور عبد الناصر " بمن يجوبون الشوارع بـــ " أغانى عبد الحليم حافظ " بمن يقدمون للناس
" موبايلات " ليحصلوا على أصواتهم ، فكلها أمور تندرج تحت بند مغازلة مشاعر وحاجات الناس الغلابة، لكن يبقي استخدام شعارات ترتبط بالدين وسيلة تعبوية قاهرة ليس من حق تيار سياسي استخدامها .

الرأسمالية الغاشمة

بمجرد أن وصل فريق برشلونة إلى القاهرة لمقابلة النادى الأهلى وقبل أن ينزل اللاعبون من الأتوبيس الذى وصل بهم إلى مقر إقامتهم وقف المصريون كبارا وصغارا ، نساء ورجالا يرفعون هواتفهم المحمولة يلتقطون الصور التذكارية لنجوم الفريق الأجنبى فهم كما يقال مليارات تمشى على الأرض ـــ بالطبع لحظة تاريخية وشرف ليس بعده شرف !! ـــ نفس المشهد تكرر في هضبة الأهرام بعد ساعات لكن هذه المرة وقف لاعبو برشلونة ـــ وقبل أن يهبطوا من الأتوبيس ـــ وقفوا مبهورين يلتقطون الصور التذكارية للأهرامات .
مشهد يستحق التأمل .. له دلالات كثيرة أتمني أن نستوعبها .

لقد تذكرت هذا المشهد وأنا أتابع تفاصيل ما يدور هذه الأيام حول مشروع أبراج محمد نصير الخرسانية المواجهة لقلعتى صلاح الدين الأيوبى ومحمد على ، ودفاع رجل الأعمال المستميت عن مشروعه وسط صمت حكومى غريب ومريب ( مازلت أذكر ما قاله لي الدكتور زاهى حواس : المشروع لن يتوقف ومستمر بقرار سيادي!!! ) ، فى الوقت الذي تتحرك فيه جهة أجنبية ـــ اليونسكو ـــ لإنقاذ أحد أبرز الآثار المصرية وأقدم منظومة دفاعية في مصر الإسلامية من التشوه والانهيار لكن للأسف دون جدوى !! .

ولا أدرى كيف نقف مكتوفي الأيدى أمام خطر يهدد تاريخنا وحضارتنا ؟! .. فالمشروع الذى ينطوى على بناء ثمانية أبراج خرسانية تحت اسم " مركز القاهرة المالى والسياحى " يعرٌض باطن المقطم لمخاطر عديدة لأن المنطقة بالأساس من الحجر الجيرى الذي يختزن تحت طبقاته كمية من الطفلة ووفق التحليل الجيولوجى وتقديرات الخبراء فإن الحفر علي عمق
" 25 " مترا والبناء بارتفاعات عالية سيؤدى حتما لانهيار كبير يهدد ما يزيد علي " 77 " أثرا إسلاميا من بينها قلعة محمد على ، فضلا عن الخلل الذى سيصيب المنطقة المواجهة ـــ قلعة صلاح الدين الأيوبى ـــ وهو ما قد يؤدى لانهيارات مدوية على المدى البعيد ، ناهيك عن التشوه البصرى و الحضارى ، وبين هذا وذاك فموقع البناء محجر فرعونى قديم ومسجل ضمن التراث العالمى .
أعرف أن الدكتور محمد الكحلاوى أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة حرك دعوى قضائية مع عدد من المهتمين أو المهمومين بالحفاظ على التراث ، وأعلم أن الدكتور عبدالله كامل رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية السابق وقف ضد المشروع ، كما تم تنظيم أكثر من ندوة فى نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للثقافة وغيرها ، حذر خلالها المعماريون والجيولوجيون وعلماء الآثار من خطورة المشروع ، لكن تبقى كلها خطوات فردية لا تقوى على مواجهة الرأسمالية الغاشمة !!

فالأمر لا يتعلق فقط بأثر يتعرض لخطر الانهيار أو التشويه ، فآثارنا فى حالة يرثى لها ، منها ما تحول لقسم شرطة أو أصبح استراحة خاصة لمسئول كبير أو تحول لصالات أفراح أو مقاهى ، بعضها نهب أو احترق أو انهار وبعضها الآخر ينتظر دوره !! والنماذج كثيرة .. لكن المشكلة الحقيقية أن الأبراج الخرسانية الجديدة كشفت بوضوح عن الزواج غير الشرعى بين رجال الأعمال ( الرأسمالية الغاشمة أو المتجبرة.. قل ما شئت ) وبين السلطة ، لدرجة أصبح معها من السهل التضحية بقلعة صلاح الدين الأيوبى وأصبح من الطبيعى أن يقف رجل أعمال فى وجه التاريخ والحضارة والتراث والقوانين والأعراف والمواثيق الدولية وعلماء الآثار وأساتذة العمارة وخبراء التخطيط العمرانى ، وينتصر في النهاية !!!

نحن نحتاج إلي جبهة وطنية كالتى تشكلت فى مواجهة مشروع " باب العزب " وإلا سنجد أنفسنا عما قريب نحذر من مشروع تحويل الأهرامات لفنادق سياحية !!!

*****
جمل حداه ألم
تحت الحمل مدارى
لا الجمل بيقول آه
ولا الجمال بيه دارى
دارى علي بلوتك
يا للى ابتليت دارى
شاعر مجهول
جريدة " الأسبوع "

ليست هناك تعليقات: