الخصخصة الناعمة .. وغسيل السمعة !!
بقلم : محمد السيسى
يبدو أن أسلوب إغراق الشركات الحكومية في الديون والمشاكل لم يعد مجديا بالدرجة الكافية لتبرير خصخصة ممتلكات الدولة أو بالأحرى ما تبقي منها، فهو علاوة علي أنه يناسب الشركات والمصانع فقط و يستغرق وقتا كبيرا فقد أصبح مكشوفا، ولا يناسب طموحات " الحكومة الإلكترونية " في بيع كل شيء أو تخلي الدولة عن دورها تماما لصالح الرأسمالية الجديدة في قطاعات خطيرة مثل التعليم والإعلام.
ولأن الحاجة أم الاختراع فقد ابتكرت حكومة الدكتور أحمد نظيف سياسة جديدة أو أسلوبا عصريا يمكن أن نطلق عليه " الخصخصة الناعمة "
وهو أسلوب يستطيع أن يسلب منك كل المكتسبات التي تحققت عبر سنوات طويلة "بخفة يد " وأنت مخدر بفعل التصريحات الخادعة " لتجد نفسك تفقد كل شيء دون أن تدري.
ففي الوقت الذي يتم فيه بيع بنك القاهرة وفق أسلوب " الخصخصة التقليدي " تتم خصخصة التعليم مثلا بأسلوب " الخصخصة الناعمة " الفارق الوحيد في الحالتين هو اختلاف التصريحات الحكومية ورد فعل الشارع.
في الحالة الأولي تطرح الدولة البنك للبيع ليفوز به مستثمر أجنبي .. وتعلن الحكومة نفس الأسباب وتسوق نفس المبررات التي تسوقها كل مرة وتقول إنها دفعتها للبيع، من عينة " سداد مديونيات شركات قطاع الأعمال العام ــ يقصدون ما تبقي منها ــ ومساندة جهود الحكومة في المشروعات الموجهة إلي محدودي الدخل ــ يقصدون الشعب المصري ــ في مجالات الإسكان ، والتعليم ، والصحة ، والصرف الصحي " .. وهذه الحالة يصاحبها أحيانا غضب في الشارع واستجوابات في البرلمان ، وربما تشكل لجان شعبية للتنديد بعملية البيع !! وربما تمر مرور الكرام كما حدث منذ أيام مع عملية بيع نصيب الدولة في فندق " سميراميس" .
أما في الحالة الثانية التي يتم فيها البيع وفق أسلوب " الخصخصة الناعمة " فتختلف التصريحات وتعلن الحكومة أنه من رابع المستحيلات خصخصة التعليم، الذي هو في التصريحات الحكومية فقط " حق دستوري كفله القانون ونصت عليه الاتفاقيات الدولية وكل مواثيق حقوق الإنسان وهو أيضا بوابة العبور للمستقبل" وغيرها من العبارات الرنانة التي تغازل مشاعر الناس.
لكن في الواقع لم يعد هناك تعليم مجاني ، وبنظرة سريعة لنسب النجاح في الثانوية العامة ومؤشرات مكتب التنسيق تجد أن الحاصلين علي أقل من 75% وهي الشريحة الكبرى ليس لهم الحق في التعليم المجاني ليصبحوا أمام أحد طريقين لا ثالث لهما : إما دخول الجامعات الحكومية انتساب " بفلوس "وإما دخول الجامعات أو المعاهد الخاصة.
ومع إغراق الجامعات في الفساد وانتشار مؤسسات التعليم الخاص الهادفة للربح ، وكذلك المؤسسات التعليمية التابعة لشركات تجارية إلي جانب تشجيع المؤسسات التعليمية بالدول الأخرى ــ ألمانية كانت أو روسية لا فرق ــ علي نقل وفتح أفرع لها في مصر .. نجد أنفسنا نعبر للخلف ونعود نصف قرن للوراء ليصبح الحق الدستوري مقصورا علي المتفوقين من أبناء الفقراء فقط ، أما الباقون فتكفيهم الابتدائية أو الإعدادية أو الدبلوم في أحسن الظروف.
الإذاعة والتليفزيون
نفس الأسلوب يتم اتباعه مع الإذاعة والتليفزيون فالاجتماع الأخير الذي عقده الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء بوزير الإعلام أنس الفقي شهد الاتفاق علي كافة التفاصيل المتعلقة بخصخصة هذا المبني العريق ليتحول التليفزيون المصري إلي استوديوهات للتصوير وشاشات للعرض، فقد تقرر الدفع بنظام المشاركة علي أوسع نطاق ليصبح القطاع الخاص شريكا في الإنتاج بنسبة تبدأ من30 % في البداية طبعا وتصل إلي70 % وستكون دراما رمضان القادم ساحة لتطبيق الفكرة بشكل كبير.
وهو ما سيجري أيضا اتباعه بالنسبة للبرامج حيث سيتم التوسع في البرامج التي ينتجها القطاع الخاص وبعد أن كانت نسبتها 30% متمثلة في عدد من البرامج مثل" البيت بيتك " و " الدرجة الثالثة " و" غنوة " سترتفع النسبة إلي70 أو 80 % لتشمل كل البرامج الدينية والرياضية وبرامج المنوعات و المسابقات و الأغاني ، حتى الأفلام الوثائقية وغيرها من البرامج الضخمة سيتوقف التليفزيون عن إنتاجها ويكتفي بإنتاج البرامج الصغيرة غير المكلفة لتشغيل العمالة فقط .. وفي هذا الإطار سيتم التعاون مع قناتي مثل " Otv " و " دريم " وغيرهما.
ومع دخول رجال الأعمال وسيطرتهم علي التليفزيون المصري سنجد أعرق تليفزيون في الوطن العربي يتحول إلي سوبر ماركت يبيع أغاني
" البورنو كليب " وبرامج " السحر والشعوذة " وتسطيح بل تغييب الوعي.
غسيل السمعة !!
تذكرت فجأة الحلقات الدرامية الأسبوعية "مش معقول " التي قام ببطولتها الفنان الراحل حسن عابدين في الثمانينيات .. وكانت تقدمها الإذاعة أسبوعيا بعد صلاة الجمعة .. كانت فانتازيا أو اسكتشات خيالية لم يتوقع وقتها أحد أنه سيأتي الوقت لتصبح واقعا مريرا نعيشه صباح مساء.
في إحدى هذه الحلقات لعب حسن عابدين دور مراقب في امتحانات الثانوية العامة.
يبدأ الاسكتش بأصوات متداخلة وهرج ومرج شديد بين الطلبة .. أحدهم ترك مقعده وجلس إلي جوار زميله ينقل من كراسة إجابته ، بينما انشغل عدد آخر من الطلبة في نقل الإجابات من الكتب ، طلبة آخرون فضلوا تبادل الإجابات بشكل جماعي.
وبين هؤلاء جلس طالب وحيد في مقعده منكفئا علي ورقة إجابته منعزلا عن حالة الغش الجماعي حوله.
ذهب إليه حسن عابدين" المفتش " متعجبا غاضبا وسأله : لماذا لا تغش؟
أجابه الطالب : أنا مذاكر كويس .. أغش ليه ؟!
فما كان من المفتش إلا أن قام بتحرير محضر للطالب اتهمه فيه بالاعتماد علي نفسه وعدم اللجوء للغش !!!
تذكرت هذه الحلقات وأنا أتابع تفاصيل ما يجري هذه الأيام من قلب للأوضاع لدرجة أننا نسمع يوميا وتطالعنا الصحف بأخبار عن اضطهاد كل من يقف ضد الفساد في مقابل إبراء ذمة الفاسدين!!
ويبدو أننا نعيش مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها مرحلة "غسيل السمعة " يحاول من خلالها النظام تقفيل قضايا الفساد الكبري التي تابع المصريون تفاصيلها علي مدي الشهور والسنوات الماضية مستبشرين خيرا بعد الإطاحة بعدد غير قليل من رموز الفساد ، حتي اعتقد البعض وقتها أننا علي أبواب إصلاح كبير ربما لم تشهده البلاد من قبل.
وحقيقة الأمر أنني لا أدري لماذا تمت إثارة هذه القضايا وقتها ولماذا يتم تقفيلها الآن ؟ .. وهل كان فتح ملفات الفساد في فترة من الفترات محاولة لتهدئة الرأي العام ؟ أم أن تقفيلها الآن جاء لتهدئة الرأي العام ؟ الحقيقة الوحيدة التي توصلت إليها .. أني مش فاهم حاجة !!.
التعذيب .. لماذا الآن ؟
ظهور حالات التعذيب هذه الأيام بهذه الكثافة ، حتي أنه لا يمر يوم إلا و نسمع أو نقرأ عن قضية تعذيب جديدة .. هل هو نوبة صحيان لوقف الانتهاكات التي يقوم بها رجال الشرطة بحق المواطنين المصريين؟ أم أنها محاولة عكسية لإرهاب الناس الذين ضاقت بهم سبل العيش وأصبحوا في حالة تنذر بانفجار قريب؟!
والتواجد الأمني المكثف في المترو وتفتيش الناس في" الرايحة والجاية " ، وسيارات الشرطة المستقرة في الشوارع الرئيسية بالقاهرة.. هل بسبب وجود تهديدات إرهابية أم هي إنذار بالطاعة ودعوة للمشي " جنب الحيط".
تشوف الفساد تغمض عينيك .. تشوف كل حاجة بتتباع حتي البنوك الوطنية ، تقول : هما عارفين مصلحتنا أكتر مننا.. ما تعرفش تتعالج أو تعالج ولادك فتؤمن بأن ده اختبار من عند ربنا والمكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين .. تقضي حياتك واقفا في طابور، مرة علشان العيش ومرة اللحمة السوداني، ومرة للمعاش، ومرة علشان الميه فتقول: الصابرين ليهم الجنة .. تعيش ع السلف والدين فتقول : الكفن ما لهوش جيوب .. المهم راحة البال!!!.
جريدة " الأسبوع "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق